وأهلي وإن ضنوا علي كرام

مشاريع مكة سواء في القطاع الخاص أو العام تحتاج إلى كثير من الخبرة والدراية لإدارتها وإنجاحها
لا سيما أن المطلوب هو عمل جاد ونتائج حقيقية
وفي المقابل هناك من شباب الأمس المكيين في مختلف التخصصات عايشوا فترة الطفرة الأولى في نهاية السبعينات وبداية الثمانينات الميلادية واكتسبوا خبرة لا تعوض في إدارة العديد من مشاريع تلك الفترة
وهم الآن إما متقاعدون أو على مشارف التقاعد
وتبدأ القضية التي دفعتني لكتابة هذا الموضوع من أن كثيرا من هؤلاء الخبراء من أهل مكة لازال فيهم الكثير من الحنين للبيت الحرام
وكان يحدو الكثير منهم الأمل لإفادة البيت الحرام من خبراتهم وعلمهم
وكانوا يحلمون أن يترجم هذا الشوق إلى نهضة منقطعة النظير تليق بأقدس بقاع الأرض وأطهرها
المضحك المبكي، أن الجو العام للأعمال في مكة لا زال ينقصه الكثير حتى يستفيد من تلك الخبرات العائدة
فكثير ممن داخل مكة لا يرى الفائدة في هؤلاء العائدين كما رآها الناظرون بعين البحث عن المعرفة والخبرة
مع الأسف ما زال هناك من يتعلق بمظاهر العلم وديكوراته، من شهادة أو اسم لامع
ويقيس النجاح بما يمكن تحقيقه من مظاهر
فلا فرق إن كان وراءها سند من قاعدة صلبة أو كانت خواء وهواء
في أماكن أخرى نرى الآخرين مستعدين لتغيير الأنظمة والقوانين في سبيل الاستفادة من مثل هذه الخبرات
بينما في مكة نجد من يشترط، إما أن يقوم بالعمل حسب الشروط والطريقة السائدة وإما فلا
وليذهب هو وخبرته
من جانب آخر، يلاحظ أنه حتى من تمكن من هؤلاء الخبراء من أهل مكة من تولي مهمة أو مسؤولية، لا يحقق في مكة ذلك النجاح الذي حققه عندما كان يعمل وينتج في غيرها
ومع نقص المعرفة الكافية لهؤلاء -الرافضين للتغيير- لحل مشكلاتهم نرى أنهم لا ينفكون عن الاستمرار في مواويل التشكي والتظلم فيما بينهم من هذا الزمان الذي جار عليهم
والغريب في الأمر، أنه مع كل هذا الانطواء و»التمحك» مع جماعتهم، نراهم ينفتحون على أغراب هم أقل علما وأقل خبرة
السؤال هنا: هل القضية أننا نعرف كيف نتعامل مع الغريب ولا نعرف كيف نتعامل مع القريب؟ أم أن هناك من الكبرياء الزائف ما يمنعنا من الإنصات والتعلم من بعضنا البعض؟ أم أن هناك من أهل مكة من ينجحون في الاتصال بالأباعد ويفشلون مع الأقارب؟وعقلية البعض المتقوقعة هذه، هل سببها فهم عقيم لمقولة بعضنا: «الله لا يغير علينا»، أم هي مقاومة للتغيير دافعها الجهل والتمسك الأعمى بجوانب في الماضي ذهبت ولن تعود، وحب للانكفاء على أمجاد الأمس واجترار الذكريات؟أقول هذا الكلام ليس من فراغ ولكن من عدد لا بأس به من التجارب مع جهات في مكة
ولولا أنني أعتبرها غير سارة لصرحت بها، ولكن لسان الحال يقول كما قال الشاعر:بلادي وإن جارت علي عزيزة وأهلي وإن ضنوا عليّ كرام
ألا ترون أنه قد حان الوقت لنا كأهل مكة - ونحن أدرى بشعابها- أن ننفض عنا غبار أمور مضت ولن تعود، للتفكير والنظر بالأمور المحيطة بنا بشكل جديد، والعمل على اقتناص فرص مقبلة قد لا يجود الزمان بمثلها مرة أخرى؟