من المقبرة للنصر

عندما كنّا أطفالا نزاول كرة القدم في قبور الشبيكة، كان اللاعب الفذ والأفضل هو الذي يلعب الكرة “عالي” والمقصود بـ”عالي” اللاعب الذي يرمي الكرة عاليا في السماء، وينظر البقية إليها وهي تطير إلى الأعلى بإعجاب كبير بصاحب تلك القدم الذهبية التي قذفت بالكرة عاليا كما هي نظرة جمهور الكرة حاليا لنجوم أوروبا والبرازيل والأرجنتين .. سبحان مغيّر الأحوال.
عندما كبرت انتقلت كرويا من مقبرة الشبيكة إلى الحفائر، ولعبت في نادي النصر الذي كان يرأسه العم سعيد أزهر، يرحمه الله، وكان يلعب به بعض النجوم المهرة من الأشقاء السودانيين الذين تعلمنا منهم فن المراوغة والتهديف .. إلخ!.
وعندما بدأت التعليق الرياضي بعد أن اشتد عودي كنت أنصت لإذاعة القاهرة وأطرب لصوت الكابتن محمد لطيف وهو يعلق على مباريات الدوري المصري، وأصبحت مقلدا له في كل أقواله وتعليقاته، وعندما نضجت استطعت أن أوجد لنفسي طريقة خاصة بي في التعليق . . إنها أيام جميلة وسعيدة.
عهد الأمير فيصل بن فهد، يرحمه الله، إلى الدكتور صالح بن ناصر تشكيل لجنة للمعلقين الرياضيين ضمت نخبة من الأسماء أمثال عثمان السعد وسليمان العيسى وزاهد قدسي واخترت أمينا للجنة، وبدأنا في البحث عن المواهب، وأجرينا مقابلات عديدة، واستمعنا إلى أصوات كثيرة من كافة أرجاء الوطن، ونجح من المواهب في تلك الفترة محمد البكر وناصر الأحمد وغازي صدقة وغيرهم كثير، وابتعدنا نحن عن التعليق إلا فيما ندر.
استمررت عقب اعتزال توأمي زاهد قدسي ووفاة صديقي العيسى حتى أصبت بجلطة أثناء تعليقي على مباراة للمنتخب في إحدى البطولات الآسيوية. أكتب هذه الأسطر للتاريخ، وأذكر الإخوة الكرام في وزارة الإعلام بأنني أشعر من موقعي كمعلق قديم من إبعاد المخضرمين ناصر الأحمد وإبراهيم الجابر وغازي صدقة بصدمة قلبية، فهم يستطيعون المواصلة والاستمرار لما يملكونه من خبرة وإمكانات عالية، وأشعر بصدمتهم الكبيرة من وزارة إعلام بلدهم، فبعدما كانوا يتقاضون مبالغ زهيدة لقاء تعليقهم على المباريات، جيء بغيرهم من خارج البلاد ليتقاضوا أضعافا مضاعفة مما كان يتقاضاه معلقونا الكبار.
الواقع يقول إن المستقدمين ليسوا بأفضل من معلقينا، فالرجاء من وزير الإعلام والمسؤولين في الوزارة أن يعيدوا النظر ويقدروا هذا الثلاثي بما يستحقونه.