فاضت الدماء وغرقت السياسة

في أسوأ التوقعات لنتائج العدوان الدامي على الشعب الفلسطيني في غزة؛ لم يكن مُنتظراً أن يجاهر المحتلون الإسرائيليون بكل هذا الحجم من الحقد، مترافقاً مع كل هذا التجرد من الإنسانية، ومن أي حسبة تولي اهتماماً للضمير الإنساني، ولوضع الكيان الصهيوني وصورته أمام أصدقائه التقليديين، فضلاً عن التجرد من أي اكتراث بالمحافل الدولية ومن جملتها المحافل القضائية المختصة بالجنايات وجرائم الإبادة والحرب. فالبيوت تقصف وتدمر فوق ساكنيها، بعد لحظات من مكالمات تحذيرية لا تعطي وقتاً للمدنيين لإخلاء بيوتهم.
في الوقت نفسه، تُبرر الجريمة بالقول المفضوح، إن المقاومين يستخدمون المدنيين كدروع بشرية، فأية دروع هذه، التي يُطلب منها إخلاء بيوتها ثم تُقصف وتتحول أجساد البشر بعدها إلى أشلاء، فيما لا يشكل البيت درعاً وفيما يتبدى أنه مطلوب بحد ذاته، أي إن الدرع البشري الذي يزعمون، له أولوية الإبادة، ولا بأس بعدئذٍ إن نجا المقاوم. معنى ذلك أن فحوى الهجمة، يمثل نسخة مزيدة ومنقحة، عن المبدأ الفاشي الذي أخذه المحتلون الصهاينة عن النازيين وهو «كيّ الوعي الشعبي لمجتمع الخصم».
ووفق هذا المنطق، يُقتل شعب فلسطين لأن فيه مقاومين، ولو طبق الغرب، هذا المنطق الإجرامي المجنون، على ألمانيا، مع الفارق الشاسع بين طلاب الحرية والاستقلال في فلسطين والنازيين الذين كانوا مسكونين بنزعة هيمنة وإخضاع للشعوب الأخرى؛ لقتل ولوحق الشعب الألماني حتى يومنا هذا، لأنه انتخب وحضن مشروعاً استهدف أوروبا كأوطان وشعوب.
قلنا إن أسوأ الكوابيس المتعلقة بالحرب على غزة التي كانت متوقعة؛ لم تعطنا أرقاماً للضحايا الأبرياء، مثلما أعطتنا الأحداث التي دخلت أسبوعها الرابع، لقد فاض الدم الفلسطيني، وكان معظمه دماء أطفال ونساء، ومع فيضان الدم، تكشفت حقائق الغرق البليغ للسياسات على أصعدة فلسطين والعالم العربي والفضاء الدولي، ففي الأولى، بدأت الأمور في غياب استراتيجية وطنية للحرب والسلم، فانعقد في ظل هذه التطورات الفاجعة، اللسان الفلسطيني عن الحديث حول المنهجين، ليصبح الدم، هو وحده القاسم المشترك بين الخط الذي يصف نفسه واقعياً والآخر الذي يصف نفسه مقاوماً، فلا يختلف اثنان، ناهيك عن طرفين، حول همجية الاحتلال وتجرده من القيم، ومن الأخلاقيات القليلة المرعية في الحرب والسياسة.
وكانت عناوين اللعثمة في أحاديث المقاربات والصيغ للتوصل إلى وقف للنيران المصبوبة، قريبة الصلة بمصائر الناس ودمها وأرواحها. فكيف تكون الهدنة؟ ووفق أية شروط؟ ومن الذي يقرر وكيف ومن الذين يلتزمون وكيف؟ ذلك بينما الوقت من دم، وهو أغلى من الوقت الذي من ذهب. هنا، تتجسد فداحة غياب التوافق الحقيقي والتفصيلي بين الفلسطينيين، على خطة عمل واحدة للخلاص من الاحتلال.
أما على الصعيد الإقليمي (ولا نقول العربي وحسب، لأن الإيرانيين والأتراك يدلون بدلوهم) فقد تداعى السجال الذي جئنا على ذكره قبلاً، في هذه المساحة. كان لافتاً أن من يطرحون أنفسهم كمساندين للمقاومة، استخدموا في مقارباتهم وصيغهم، مفردات الكارثة والدم والاعتبارات الإنسانية وحدها، أي إنهم اغترفوا من قاموس الذين اقترحوا التهدئة مقابل التهدئة، وحتى في الزيادات التي اقترحوها للإضافة على المبادرة المصرية، انحصرت المسائل في جوانب إجرائية تتعلق بالمعابر والحقوق الإنسانية والإعمار، وهذه ــ على أهميتها ــ لا تُخفي خلو كل المبادرات من الحيثيات السياسية التي تلامس مشكلة وجود الاحتلال نفسه، وحاجة الفلسطينيين التي لا محيد عنها، إلى الاستقلال والحرية، هنا، لا نجافي طرفاً ولا خطاباً، إن قلنا بأن السياسة غرقت في فيضان الدم، وبات بؤسها واضحاً، لا يُستثنى منه خطاب أو سعي.
إن نقلنا بأمانة، ما يحس به الفلسطينيون وهم يكابدون هذا الطوفان؛ نقول إن مأزق ذوي الخطاب المقاوم في الإقليم، هو الأكبر. فعلى الأقل، إن الآخرين لم يطرحوا أنفسهم أصحاب مشروعات جهادية. فإن كان المستنكفون العرب عن التوافق على استراتيجية واحدة للأمن القومي العربي ملومين تماماً، فلماذا لا يطال اللوم أطرافاً استنكفت عن التوافق مع شقيقتها المقاومة في غزة؟ أيهما أوجب، أن يساند حزب حسن نصر الله في لبنان المقاومة التي باسمها أمسك بخناق لبنان وعطل الدولة، أم يساند نظاماً مستبداً فاسداً آيلاً للسقوط؟ يأخذنا الجواب مع التأمل في الأسباب، إلى الجزم بأن لكل شيء روايته الزائفة في معسكر أدعياء «محور» المقاومة في الإقليم. وهذا جانب من غرق السياسة في الدم الفائض!