جدائل المذيعة

الخبر: ظهور مذيعة على قناة الإخبارية السعودية وهي مكشوفة الرأس يثير جدلا واسعا وسط انقسام بين مؤيد ومعارض. في الخلاصة إن فتاة تذيع عناوين الصحف العالمية باللغة العربية من استوديو في بريطانيا لصالح قناة الإخبارية السعودية، ظهرت على شاشة التلفزيون بدون غطاء على الرأس مما أثار حفيظة شريحة من المجتمع السعودي رافقه في ذات الوقت جدل في أروقة قناة الإخبارية السعودية - مكان ظهور المذيعة، مع تبرير عاجل من الجهة المسؤولة عن ضبط محتوى البث التلفزيوني ختامه يؤكد على الالتزام بعدم تكرار المشهد مرة أخرى في شاشات التلفزيون السعودي بشكل عام.. انتهى.
الإثارة والدهشة بالنسبة لي تجاه هذه المسألة حصرا ليست في الخبر ولا في تفاصيله ولا حتى في تسريحة ولون شعر المذيعة التي غطت كامل تضاريس جسمها وتركت رأسها مكشوفا، بل في سرعة «التقاط المشهد شعبيا وسرعة الحضور الرسمي على رأس التفاعل» في وقت لا يتوقع فيه بحكم التجربة والملاحظة حدوث سرعة موازية في تفاعل البعض من العامة مع ما يحدث من السلوكيات المخلة بالسكينة العامة أو تلك التي تخدش الذوق العام على المستوى الداخلي مثلا، هذا إلى جانب ما يمكن رصده من ملاحظات حول تدني مستوى التفاعل الإيجابي مع ما يحدث أحيانا من محاولات لاختراق الأنظمة المرعية والأمثلة على ذلك كثيرة، كل هذا بالإضافة إلى ما يمكن أن يرصده المراقب بصدد تباطؤ جل الجهات الرسمية وتملصها من التفاعل مع ما يتطرق له الرأي العام ووسائل الإعلام المحلية في شؤون وأمور أكثر أهمية وأكبر صلة بالمصلحة العامة.
جدائل المذيعة الحسناء التي أربكت البعض منا وفتحت عيون العالم الخارجي على نمط التفكير المحلي وإشكالية الفهم، بينت من ناحية أخرى أكثر الدوائر القابلة لسرعة التفاعل الشعبي والرسمي وكشفت أيضا سلم أولويات الجدل، ومن أبرز شواهد الحدث أن جدائل المرأة بشكل عام كانت وما زالت في نظر البعض منا ممشطة بالإغراء وفي كل خصلة منها إغواء وفي كل ضفيرة إثارة للغرائز ولهذا انتشر غبار الجدل وتحرك سريعا ساخنا في مواقع التواصل الاجتماعي تجاه مسألة يمكن «التنبيه لها بهدوء والتعامل معها بهدوء أيضا» وبحكمة دون ضجيج. عموما تميز الجدل بالضرب على دفوف الخصوصية وعلى الإيقاع رقص النقد المطلق المتمترس خلف تبريرات مطلقة تستعمل من حين لآخر للاستقواء وأحيانا للإحراج !.. تجمع المهتمون تطوعا واحتسابا بشؤون المرأة وشكلها على أطراف الغنيمة من كل الاتجاهات بين مستنكر ومؤيد والأعمال في البدء والخاتمة بالنيات ولكل امرئ في شعر المذيعة وطلتها ما نوى.
المهم أن أحدا لم يقل لنا ماذا قالت المذيعة، ولا عما كانت تتحدث؟، كل شيء من البداية إلى النهاية مجرد جدل متصلب يدور حول ظهور امرأة شعرها مكشوف في شاشة التلفزيون وكأن الحدث – مصيبة لا تحتمل في العصر الراهن.
لن أقول أي شيء عن احتمالية استغلال الموقف لفتح باب القبول بفرض الوصاية، ولن أسأل عن سر هذا الاهتمام الغريب المريب بالمرأة، وحتما لن أناقش سر البلبلة والتضخيم أو الهجوم والدفاع كلما ظهرت أو تحدثت المرأة، بقدر ما أتساءل بصراحة في ضوء الأمر الواقع عن مدى ضرورة وجود الأنثى في قلب كل مشهد يتعلق بتحسين الأوضاع الداخلية لتحريك الراكد وخلق التفاعل، وقد اتضح أن في المجتمع شرائح تتحرك بقوة على وقع صوت الكعب العالي كما هو حال بعض الجهات الرسمية.