هل يغزو بوتين أوكرانيا؟
الجمعة، ١ أغسطس ٢٠١٤
لا يمكن أن تكون هناك شهادة أكثر وحشية لسخرية حرب روسيا على شرق أوكرانيا من المشاهد التي عرضها التلفزيون عن موقع سقوط طائرة الخطوط الماليزية، رحلة MH17. مشهد عناصر الميليشيا وهم يمنعون الوصول إلى الطائرة الماليزية المحطمة والبقايا المحترقة للركاب وأعضاء الطاقم الذين كانوا على متنها ربما جعلت حتى بعض الذين في الكرملين يشحبون. الأدلة المتراكمة تشير إلى أن الطائرة سقطت نتيجة إصابتها بصاروخ روسي مضاد للطائرات أُطلق من منطقة يسيطر عليها الانفصاليون الروس.
لم تكن تلك هي الطريقة التي كانت موسكو خططت لها. في الأسابيع التي سبقت إسقاط الطائرة MH17 كان المحللون العسكريون في حلف شمال الأطلسي (الناتو) قد لاحظوا تزايدا ثابتا في حشود القوات الروسية قرب الحدود الأوكرانية. عندما أُسقطت الطائرة، كان كبار الضباط في حلف الناتو قد توقعوا أن موسكو لديها مخططات وما يكفي من القوات على الأرض لشن هجوم واسع النطاق على المنطقة التي يسيطر عليها الانفصاليون حاليا. كان السؤال المطروح حينها: متى يبدأ الهجوم الروسي على شرق أوكرانيا؟
التوقعات بين بعض كبار ضباط ومسؤولي الناتو كانت أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يمكن أن يبعث قواته عبر الحدود خلال شهر أغسطس – قبل اجتماع القمة المخطط له لقادة حلف الناتو في سبتمبر. موسكو اختارت فترة الهدوء الصيفي – وتشتيت الانتباه الذي وفرته الألعاب الأولمبية في بكين - للهجوم على جورجيا في 2008 دعما للانفصاليين في جنوب أوسيتيا.
النظرية الثانية كانت تقول إن الرئيس الروسي قد ينتظر حتى شهر سبتمبر حيث يبدأ عبور الحدود مع أوكرانيا، كما فعل في شبه جزيرة القرم، تحديا لاجتماع حلف الناتو. من المتوقع أن يستغل قادة حلف الناتو اجتماعهم في مدينة نيوبورت، ويلز، لتعزيز الدفاعات في النصف الشرقي للقارة الأوروبية – وهو تحرك من المؤكد أن يؤدي إلى ردود فعل واحتجاجات غاضبة من موسكو.
في جميع الأحوال، كان المسؤولون والدبلوماسيون الروس مشغولين في تهيئة أرضية الدعاية الإعلامية لمواكبة مثل هذا الغزو. كانوا يحذرون من أن القتال الشرس بين المتمردين – الذين تدعمهم وتسلحهم موسكو بالطبع - والجيش الأوكراني يهدد بحدوث كارثة إنسانية، بحيث يحرم المدنيون خلال الشتاء من المتطلبات الأساسية من الطعام والمحروقات. كان من السهل رؤية الاتجاه الذي كانت تمضي نحوه الأمور: غزو مباشر للقوات الروسية سيتم وصفه من قبل الكرملين على أنه مهمة إنسانية لحماية المدنيين الأبرياء.
ربما كانت تلك هي الخطة. لكن إسقاط الطائرة الماليزية MH17 مزق ادعاءات بوتين بأن روسيا مجرد متفرج قلق في صراع بين أوكرانيين يتحدثون اللغة الروسية وفاشيين مدعومين من الغرب في العاصمة الأوكرانية كييف.
البعض في أوروبا وجدوا أن من الملائم لهم أن يشتركوا بشكل غير كامل في المؤامرة الخيالية من أجل حماية المصالح الاقتصادية والطاقة. وزيرة الخارجية الإيطالية فيديريكا موجيريني، التي تسعى لخلافة كاثرين أشتون كمسؤولة الخارجية الأوروبية، قرأت من نص ربما كتبته شركة ENI الإيطالية العملاقة للطاقة، والتي لديها مصالح كبيرة جدا في روسيا.
في فرنسا، يتردد كثيرا تعريض عقد بحري بعدة مليارات يورو مع موسكو للخطر. هل تستطيع فرنسا فعلا أن تمضي قدما في بيع السفن الحربية الهجومية لروسيا التي ضمت جزءا من أراضي جارتها وتشجع على انقسام في جزء آخر؟ المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل تتأرجح في مواقفها يمينا ويسارا – فهي أحيانا تتشدد في خطابها حول العقوبات في بيانات الاتحاد الأوروبي لكنها تتراجع بعد ذلك استجابة لضغوط من شركات ألمانية ومن شريكها في التحالف الحزب الديمقراطي الاجتماعي.
تمثيلية الرئيس فلاديمير بوتين لا بد أنها وصلت إلى نهايتها. حتى قنوات التلفزيون الروسية التي تسيطر عليها الدولة يبدو أنها بدأت تواجه مصاعب في اختلاق نظريات للمؤامرة لمواجهة ما يبدو أنه الحقيقة التي لا يمكن إنكارها حول هذه الجريمة الأخيرة: صاروخ روسي مضاد للطائرات أُطلق من منطقة يسيطر عليها انفصاليون مدعومون من روسيا. السيدة موجيريني، وزيرة الخارجية الإيطالية، ستجد أن من الصعب تفسير هذا الغضب على أنه رد على استفزاز غربي مزعوم.
ما ليس مؤكدا أيضا هو ما إذا كان التهديد بجعله يعاني من حالة الشخص المنبوذ ستردع السيد بوتين. من الممكن تماما تخيل أن الرئيس الروسي يمكن أن يصل إلى نتيجة معكوسة –ويضغط باتجاه غزو شرق أوكرانيا بحجة أنه يقوم بعملية لحفظ السلام في المنطقة. خلال فترة الأزمة الأوكرانية كانت الدول الأوربية تقلل من قيمة الاحتقار القاسي للكرملين للقانون الدولي والمعايير الدولية. مصير الطائرة الماليزية MH17 لا يبدو أنه غير نظرة الرئيس الروسي بوتين إلى العالم. هل سيحفز الإرادة الغربية؟