شفافية "ساما" المنتظرة
الجمعة، ١ أغسطس ٢٠١٤
المتابع للحراك الحكومي الاستثماري يدرك مدى التحول الذي طرأ على استراتيجية إدارة الفوائض المالية، والتوجه إلى إنشاء أذرع استثمارية جديدة سواء داخلية أو خارجية، بدءاً بصندوق الأصول الأجنبية لمؤسسة النقد العربي السعودي «ساما»، والسماح لصندوق الاستثمارات العامة بإنشاء شركات داخلية أو خارجية، وانتهاءً بمقترح لإنشاء صندوق سيادي لا يزال يدرس في مجلس الشورى.
هذا الحراك الحكومي الاستثماري يعكس في مجمله التطور الإيجابي لمفهوم التنوع، والاستثمار الأمثل للفوائض المالية، لكن غياب الشفافية والوضوح عند الحديث عن هذه الاستثمارات سواء الحالية منها أو المستقبلية يخلق مزيدا من الغموض، ويترك مجالاً واسعاً لانتشار التكهنات والشائعات.
فعلى سبيل المثال، صندوق الأصول الأجنبية لمؤسسة النقد العربي السعودي «ساما» الذي صنفته مؤسسة (SWF Institute) المتخصصة في دراسة استثمارات الحكومات والصناديق السيادية، في المرتبة الثالثة عالمياً بنحو 675.9 مليار دولار، بعد صندوق التعاقد الحكومي النرويجي بـ818 مليار دولار، وجهاز أبوظبي للاستثمار بنحو 773 مليار دولار لا تزال الشفافية حوله دون مستوى المأمول.
إذ تؤكد مؤسسة النقد في تصريحات عامة أنه يستثمر في دول وأوراق مالية مختلفة تتسم بمخاطر قليلة، وعوائد مجزية، دون أن تحدد طبيعة هذه الاستثمارات، وأين هذه الاستثمارات؟ وما حجم العوائد المتحققة منها؟ في حين أن التقارير العالمية تشير إلى أن معظم استثمارات «ساما» تتركز في أذونات الخزانة الأمريكية، لا توجد بيانات تفصيلية في هذا الإطار على خلاف الصناديق العالمية المماثلة كالصندوق النرويجي أو صندوق هيئة الاستثمار الصينية اللتين لديهما بيانات تفصيلية شاملة تنشر بشكل دوري.
والاعتراض هنا لا يتعلق بطبيعة هذه الاستثمارات وآلية إداراتها، بل يتعلق بغياب الشفافية، والتقارير التفصيلية حولها، وقد يكون ذلك محل جدال بين مؤيد ومعارض، فقد يأتي من يعترض، بحجة أن ما تنشره «ساما» من بيانات شهرية على موقعها الالكتروني حول التغير الشهري في موجودات المؤسسة بشكله الحالي كاف، وأن تفاصيل هذه الاستثمارات شأن حكومي بحت، فيما يرى آخرون، أن البيانات الشهرية تفتقد الشفافية، وتتكلم عن عموميات على سبيل المثال ودائع لدى البنوك في الخارج، واستثمارات في أوراق مالية في الخارج، ودون أن تكشف في نهاية العام المالي عن حجم العوائد أو الخسائر المتحققة من هذه الاستثمارات، لا تقدم رؤية واقعية عن هذه الاستثمارات ومن حقهم الاطلاع على التفاصيل.
ويبرر المطالبون بالتفاصيل، بأن غياب الشفافية الرسمية، جعل الحديث عن حجم الاستثمارات السعودية يعتمد على التقديرات شبه الرسمية، التي قد تكون صحيحة، وقد تكون مغلوطة، فالتقديرات تشير إلى أن حجم الاستثمارات السعودية بما في ذلك استثمارات الحكومة، والمؤسسات شبه الحكومية، والقطاع المصرفي في السندات والأصول المقومة بالدولار نحو تريليوني دولار، ويبلغ حجم خسائر الاستثمارات السعودية في السندات الأمريكية المبنية على الدين العام الأمريكي نحو 45 مليار دولار سنويا، أي ما نسبته 20 في المائة من الاستثمارات التي تقدر بنحو 229 مليار دولار أمريكي تقريبا، وهو ما لم تنفه أي جهة رسمية حتى الآن.
ويرفضون غياب الشفافية والوضوح إبان أزمة رفع سقف الديون الفيدرالية الأمريكية في أكتوبر الماضي، عندما أصبحت الولايات المتحدة مهددة بعدم القدرة على الوفاء بكافة ديونها والتزاماتها المالية الأخرى، في حال عدم التوصل إلى اتفاق لرفع سقف الدين، إذ حضرت السرية، وحالت سياسة الحرس القديم دون صدور أي بيان أو تعليق رسمي من مؤسسة النقد «ساما» أو وزارة المالية حول الأثر المتوقع لأزمة الديون الفيدرالية الأمريكية على الاستثمارات السعودية، الخطط المستقبلية لتجاوز ذلك.
فيما تسابقت وزارة الخزانة الصينية ونظيرتها اليابانية إلى إصدار بيانات دورية عن أثر هذه الأزمة، وعملتا بخطط بديلة لتخفيض حجم الاستثمارات في أذونات الخزانة الأمريكية، فالصين بدأت في تطبيقها عملياً، وفقاً للتقارير الرسمية التي تصدرها مؤسساتها المالية، حيث تراجعت حيازتها من السندات الأمريكية بحوالي 47.8 مليار دولار أو 3.6% إلى 1.27 تريليون دولار، وهو أكبر انخفاض منذ ديسمبر عام 2011، وبُرر هذا الإجراء بتتبع مبدأ ضمان السلامة، والسيولة، والقيمة الجيدة في التعامل مع احتياطي العملات الأجنبية.
وبما أن مؤسسة النقد تشهد تحولا كبيرا في سياساتها منذ تولى زمام قيادتها المحافظ الجديد الدكتور فهد المبارك، نحو مزيد من الشفافية والوضوح، والاهتمام بملاحظات ومرئيات الجمهور والمختصين، فإن رفع سقف شفافية «ساما» ليشمل صندوق الأصول الأجنبية، وتوضيح أثر الأزمات العالمية التي تحدث بين الفينة والأخرى على استثماراتها، ضرورة يفرضها الواقع.