العالم العربي يفقد روحه

بالنسبة للعرب الذين ولدوا خلال الخمسينات من القرن المنصرم، لا يكاد يمر عليهم عقد من الزمن دون أن يشهدوا فيه أحداثا جساما.
ففي عام 1956، حصل الاعتداء الثلاثي على مصر من طرف إسرائيل وبريطانيا وفرنسا. ولم يكد يمر على هذا العدوان أحد عشر عاما حتى حدثت النكسة المشهورة عام 1967 ، حيث احتلت إسرائيل المزيد من الأراضي العربية وانهزم العرب فيما يعرف بحرب الستة أيام.
وفي أكتوبر عام 1973 حصلت حرب أكتوبر أو حرب السادس من رمضان، حيث استطاعت الجيوش المصرية عبور القناة وتحطيم خط بارليف. ولولا الجسر الجوي الأمريكي لاختلف الوضع ولكانت نتيجة الحرب غير ما كانت عليه.
وفي يونيو (حزيران) 1982 قامت إسرائيل بغزو لبنان واحتلت بيروت وقتلت آلاف الفلسطينيين في معسكرات صبرا وشاتيلا اللبنانية، مما أثار استياء العالم واشمئزازه.
وفي أغسطس 1990 قام العراق بغزو الكويت الجارة مما أحدث شرخا عميقا في معاني الوحدة العربية ما تزال آثاره باقية حتى اليوم. ثم جاءت أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام2001 التي هزت العالم العربي ودفعت أمريكا لأن تعلن حربا لا هوادة فيها على الإرهاب.
ولم يمض عقد من الزمان على الهجمات الإرهابية على نيويورك وواشنطن حتى ظهر ما يعرف – حقيقة أو مجازا - بالربيع العربي الذي شهد ثورات شعبية عارمة في تونس ومصر واليمن وليبيا والعراق لاقتلاع الأنظمة الدكتاتورية الحاكمة.
وأخيرا وليس آخر، جاءت هذه الأيام الحرب الدموية على غزة المحاصرة، حيث قامت الطائرات الإسرائيلية بقصف المدنيين والمنشآت الأهلية بما فيها من المساجد والمستشفيات بلا شفقة أو رحمة.
والحقيقة أنني لم أشاهد في عمري مثل هذه الكراهية التي تشع من عيون الإسرائيليين خاصة أنهم قد كانوا ضحايا للمحرقة النازية وللاضطهاد العنصري في أوروبا وأمريكا وروسيا وغيرها.
ولعل ما يؤلم حقا ويزيد في بشاعة الموقف هو تعامل وسائل الإعلام الأمريكية التي تمجد القتل الإسرائيلي للشعب الفلسطيني الأعزل والمحاصر والذي لا حول له ولا قوة.
ولجنة العلاقات الأمريكية الإسرائيلية – آيباك - التي أكاد أجزم أنها لا تعرف مكان غزة على الخريطة تطالب بمحوها من على ظاهر الأرض.
ولكن لا يجب أن نتباكى وأن نلوم الآخرين على ما يحدث لنا، وعلينا أن نسأل أنفسنا سؤالا واضحا وصريحا هو: أين كنا من 40 عاما؟
والإجابة في تقديري ليست صعبة، إذ تحكمت الأنظمة الدكتاتورية المتسلطة على رقاب الشعوب العربية واستخدمت كل جبروتها الأمني وقوتها العسكرية للسيطرة على مفاصل الدولة وللبقاء على كراسي الحكم.
ولم تأت المحن إلى العالم العربي من الخارج، وإنما كان الكثير من مآسيه من صنع يديه، وهكذا شعرت الشعوب العربية بالإحباط والفشل، فهي وإن سلمت من الاعتداءات الخارجية، فإنها لم تسلم من المؤامرات الداخلية.
ولم تجد الشعوب العربية النماذج والأمثلة أمامها، ولم تجد العلماء المستنيرين الذين يشبعون جوعهم للمعرفة الدينية فاختفت من قلوبهم الرحمة وغابت عنهم معاني التسامح وقبول الآخر.
ورغم أن الأنظمة الديكتاتورية قد رحلت من بعض الدول العربية إلا أن الحروب والنزاعات الدموية لم تتوقف في هذه الدول وقد استمرت بين فصائل متعددة من أبنائها..كل يريد السلطة لنفسه. وأصبحت الدول عبارة عن حقول حربية يسيطر عليها أمراء الحرب.
وفي غضون ذلك تدمرت البنية الاقتصادية لدرجة أن السكان أصبحوا يتمنون لو أن الأنظمة الديكتاتورية بقيت في مكانها، فهي أفضل لهم كثيرا من البديل القادم. واستطاع الجهاديون والمتطرفون أن يغتالوا كل الأصوات العاقلة التي كانت تنادي بالتسامح واحترام الرأي الآخر.
وتحت فتاوى الفريضة الغائبة وتحكيم شرع الله أصبح الدم العربي رخيصا وتافها، وأصبح العقل العربي غائبا أو مغيبا. وأصبحنا نشاهد في شوارع بعض الدول العربية الشباب التابع للقاعدة وداعش وجبهة النصرة وغيرها من منظمات إرهابية، يجوبون الشوارع.. يقتلون الناس ويثيرون الذعر في نفوس الآمنين. إنهم يرتكبون كل هذه الفظائع باسم الإسلام وهو بريء منهم ومن أفعالهم.
لقد قلتها سابقا وأكررها الآن إننا مصابون بحالة من الشلل والتقاعس ونحن نشاهد الموجة تلو الموجة من المحن والمآسي وهي تضرب رؤوسنا، ومنها الانقسامات الدينية والاختلافات الطائفية، حيث انقسم عالمنا العربي إلى سنة وشيعة، ووهابية ودروز وحوثيين وغيرهم، وأصبحت كل طائفة تكيل الاتهامات بالكفر والهرطقة للفئة الأخرى المخالفة لها في الرأي وفي بعض المواقف الفقهية وإن كانت عقيدتهم واحدة.
وبفضل هؤلاء الإرهابيين والمتطرفين الذين لا يعرفون من الدين إلا القشور أصبحت السمة الغالبة في مواقع التواصل الاجتماعي هي مشاهد الدم والقتل في عالمنا العربي.
والمضحك المبكي أن كل هذه المآسي تحدث تحت مظلة الحرص على نشر الإسلام وتحكيم كتاب الله، وهو كذب قراح، فالله لم يأمر بالقتل والتنكيل لنشر دينه السمح.
ومع الأسف ظلت مشاهد الدم والتعذيب تملأ مواقع التواصل الاجتماعي دون أن يقوم علماؤنا الإجلاء باستهجانها واستنكارها.
ومع الأسف لم تقم السلطات في أي دولة بتحريم الطائفية وتحريم الإساءات الدينية والعنصرية.
إننا نفقد قيمنا الإنسانية رويدا رويدا، وأخشى ما أخشاه أن نفقد روحنا كذلك، وهي العبارة التي كتبتها لي شابة صغيرة، وأنا أتفق معها تماما.
إن العالم العربي يفقد روحه الآن بعد أن فقد عقله من زمان.