(كاميرا) صنع الله: خفية محترفة..!

ثمة روائيون لهم القدرة على اختراق الزمن للعيش في إحدى مراحله التاريخية.. متى شاءت حواسهم الإبداعية رصد لحظة بعيدة ما، لاستحضار إسقاطاتها السياسية والثقافية والاجتماعية على واقع (بعينه).. هذا الاجتراء الفني على الزمن لم يكن له أن يحدث لولا تلك (الكاميرا) الخفية، التي جعلوها في أماكن (سرية) داخل المدن العريقة منذ مئات وربما (آلاف) السنين.. المدن – وحدها – التي توقف التاريخ بين جدرانها ليكتب حكاياتها الباذخة!
صنع الله إبراهيم.. أحد أصحاب تلك (الكاميرات) ماركة (الدهشة)، ففي رواية (التلصص) يعود الكاتب إلى زمن مبكر، متقمصا شخصية ذلك الطفل الذي تكفل بنقل كاميرا الدهشة، بما يمتلك من عينين سحريتين يلج بهما إلى أقاصي الأشياء وشواهد الواقع، لرصد كل شيء في اللحظة ذاتها: الوقائع والأفكار والمشاعر، فيرى ماضيا حقيقيا مجسدا بكل بهائه وصفائه، برؤية طفولية نقية تنظر إلى الأشياء لأول مرة، بذات الدهشة الأولى التي نشعر بها، ونحن نكتشف (قاهرة) الأربعينات.
وفي رواية (العمامة والقبعة) يمارس صنع الله الفعل ذاته، طالبا من ذلك الطفل (ربما) النكوص مرة أخرى، للعيش في زمن أكثر بعدا من زمنه الماضي الأول، في اتجاه ماض بعيد آخر، تبدأ أحداثه منذ (الأحد 22 يوليو 1798 الواحدة ظهرا)، وتستمر لثلاثة أعوام قادمة، وهو الزمن الذي صادف دخول الحملة الفرنسية إلى مصر بقيادة نابليون بونابرت، وما أفضى إليه ذلك الزمن من تداعيات هائلة في المنظومة التاريخية والاجتماعية والثقافية، التي أعادت صياغة المجتمع المصري ثقافة جديدة.
هذه الحرفنة الروائية الفنية، نجد أطيافها - كذلك - لدى الغيطاني (الزيني بركات) وأمين معلوف في (سمرقند) ومحمد برادة في (لعبة النسيان)، وعبدالكريم غلاب في (دفنا الماضي).
المسألة في النهاية هي مزيج متسق بين التاريخ والفن.. بين (كاميرا) الدهشة، وتداعيات المؤرخ، التي قال بشأنها صنع الله ذاته بأن: (المؤرخ الجيد هو الروائي).. ولكن ليس كل مؤرخ جيد روائيا بالطبع!