المسرح ومجتمع الفرح

في الأحساء مدينة النخيل والفن والمجتمع الخلاق، تسامر مسرحيون سعوديون حول المسرح وشؤونه وشجونه، وشكوا - ولطالما شكوا وليس ثمة مستمع أو مجيب - من ضعف الميزانيات المخصصة لأدب ومسرح الطفل، وشجبوا هيمنة ما وصفوه بـ(مسرح التهريج التجاري) على مسرح الطفل، ووصفهم ذلك أعلى درجات التعبير المؤدب المتحفظ عن الرداءات والمسوخ السافرة التي تُقدم في الأسواق والمجمعات التجارية باسم مسرح الطفل.
وشكوى المسرحيين السعوديين تستحق التوقف عندها، لأنها تصدر من أهل الشأن وأصحاب الاختصاص العارفين بأصوله ومقتضياته. وقد عدَّ أولئك النفر الصادق من المسرحيين ضعف الميزانيات المخصصة لمسرح الطفل من أسباب غيابه وتدهوره.
وليس ضعف الميزانيات هو السبب الرئيس والوحيد في تخلف وغياب فن راق ومتطلب ثقافي واجتماعي ووطني كالمسرح. فالمسرح لدينا ليس له حاضنة أو كيان مؤسسي معتبر، وليست له جهة رسمية أو أهلية راعية، ولا يتجاوز وجوده لدينا حدود فرع واهن في كيانات هزيلة؛ هي جمعيات الثقافة والفنون، التي تعاني بدورها من نقص الميزانيات، وضعف الإمكانات، ونفور الطاقات الحقيقية الموهوبة، وأضحى وجود تلك الفروع من باب رفع العتب، وإلا فهي في وارد المضمحل فاقد الحيوية والقدرة على الفاعلية؛ إلا من حب وولاء فنانين ومثقفين حقيقيين وأكفاء يترددون عليها، ينفثون على عطشها ووهنها ما يجاوز بها حافة العدم والفناء، رغم كل الجهود الحثيثة والمخلصة من القيِّمين عليها والمهتمين بها، الذين لا يزالون ينتمون إليها إداريا، فإنه لم يعد بوسعها حمل اليسير من تطلعاتهم.
وعودا على المسرح، أحد أهم فروع واختصاص الجمعيات، فهو أحد منافذ (الناس) على المعرفة والتأمل والتفكير والفرح والفاعلية الإنسانية، وأحد ركائز وتجليات الفكر البشري وفنونه العريقة، وهو بالنسبة لمجتمعنا، أحد المطلات القليلة على الترفيه والفرح، وهو مجتمع أَلِفَ أفراحه الإدارية، ليمارسها بترخيص مسبق، مترع بالشروط والقيود والحدود، بالكاد يُمنح أياما معدودات يمارس من خلالها أفراحه، حتى أصبح لا يتصور المستحيلات والمتناقضات فقط، بل يعايشها. نعم، يعايش مدنا بلا مسرح، ومواهب مسرحية بدون مؤسسة أكاديمية تستوعب الموهوبين فيه، وتصقل قدراتهم وتنميها، وتوجِّه معارفهم وترتقي بها، وفق الأصول العلمية المعتبرة لهذا الفن.
وبلا كيان مسرحي مستقل، يملك كفاية تغنيه عن تسول الاهتمام، وترتفع به عن دنية أن يشكو للكرام قلة ذات اليد، فضلا عن الاعتراف بأهميته وضرورة وجوده، وهو ما استدعى وجود النقيض، حيث استغل السوقيون وسلاطين المال وملاَّك المجمعات التجارية، حاجة الناس للفرح والترفيه واستغلوا عدم وجود برامج مسرحية أو ترفيهية حقيقية؛ استغلوا ذلك لتسويق مسرح الظل والمتاجرة بالتهريج والإسفاف والملهاة الفجة والترخص، واشتروا بثمن بخس أسماء لامعة في الوسط الفني، تروِّج لهذه البضاعة الرديئة، واختاروا طبقة الأطفال وهم الأشد حاجة للفرح والترفيه، لاجتذابهم لتلك العروض البائسة، ولئن حذر المسرحيون السعوديون في مسامرتهم تلك؛ من النتائج الوخيمة، والتبعات التربوية الخطيرة المترتبة على أمر كذلك؛ فلم ولن يجدوا من يعبأ بغيرة أصواتهم الصادقة وضمائرهم النقية، وحساسيتهم الجمالية، وموقفهم الفني والثقافي المحترم.
والنتيجة مزيد من المفاهيم السقيمة، والأفكار الرديئة والبناء الإدراكي الهش، لأطفال لا يجدون بديلا عن عروض مسرحية تصطنعها وتتاجر بها وتسوقها المجمعات التجارية.
ومجتمعنا، أو الطبقة المستنيرة فيه، تعي أن مسرح الطفل ليس مجالا للترفيه فقط؛ بل للتربية وتكوين القيم والمعرفة والتأمل وبناء الإنسان، وخلق الحاسة الجمالية فيه.
ندوة الأحساء كانت وقفة جادة وواعية ومسؤولة، إزاء عدد من مفاصل وأصول القضايا والأفكار التي سقناها في ثنايا هذا المقال. وعسى أن تتبنى جهة علمية أكاديمية، أو ثقافية وطنية؛ طرح هذه القضايا في مشهد أوسع، يُدعى إليه المسرحيون السعوديون، ويناقش ذلك تفصيلا وتعميقا، وبشفافية وعلمية ومنهجية، وسيكون شرفا له، وقيمة معتبرة أنه يطرح أسئلة المسرح المفقود والغائب.