اندثار عيد القدماء بالحرمين

أفراح العيد في المسجد الحرام والمسجد النبوي قديما، كيف كانت وأين أصبحت، أيام تسمى بالزمن الجميل كان يسودها الأخوة والمحبة، ولا تتطلع إلى منصب أو مسؤول، فالجميع على قلب رجل واحد.
يروي أحمد بابا أحد المعاصرين لمكة والمدينة المنورة، أحداث التغيرات الجذرية في عادات وتقاليد أهالي المدينتين بعيد الفطر المبارك قديما، إذ كانت مكة المكرمة مضيئة من مشارفها حتى أحيائها، ابتهاجا بالعيد، فكانت الفرحة تنطلق من المسجد الحرام بعد صلاة العيد ومن ثم إلى حي الشامية فالمسفلة وحارات الباب وأجياد والملاوي وبرحة بخش، والجميع ينتسب لحارته، وكانت الاجتماعات في مركاز العمدة، مع إقامة الحفلات الشعبية من الأغاني الحجازية المزمار والمجسدات.
وقال: الزيارات كانت من منزل إلى آخر، وداخل كل منزل يوجد كتيب وضع للحالات الطارئة لتسجيل الزيارة، ولا يمكن أن تغلق المنازل في العيد، وكان الإفطار عادة يكون في منزل الجد، إذ تتميز السفر بـ المنزلة والفاصوليا والجبن والزيتون والدبيازة.
ومن المواقف التي لا تنسى أنه في إحدى الأعياد كان أهل مكة في استقبال الملك خالد بن عبدالعزيز رحمة الله عليه، وألقى رئيس كتاب المحكمة المستعجلة صالح جمال كلمة أبان فيها عن افتقار مكة المكرمة لمنشآت تعليمية، وبعدها بنيت جامعة أم القرى، وهذا كان اهتمام رجال مكة بالمنطقة.
وأضاف أحمد بابا أن أيام العيد في المدينة المنورة كان أهلها لديهم عادات مختلفة عن باقي المدن، وهناك شروط ملزمة بعودة الخارجين للعمل في مدن أخرى حتى وإن كانوا ذوي مناصب كبيرة داخل وزارات أو خلافها، ومن أبرز العادات أن يكون التجمع في منزل الجد أو الأب إضافة إلى أن النساء يصنعن المعمول والغريبة والكعك واللدو واللبنية والقهوة العربية، والتي كانت واجهة مجالسنا، ونثر الورد على المعايدين من الأطفال.
وأشار إلى أنه كانت فرحة العيد لها نكهة خاصة لا يمكن أن تنسى، ولأهل المدينة لديهم تنظيم ثابت من خلال الزيارات، فكان هناك تعاون من الجهات الحكومية، إذ تقوم إمارة المنطقة بوضع لوحات إرشادية بالتوقيت والزمان والمكان لترتيب وتنظيم الزيارات للأحياء كافة، حيث وقتها بلغت خمس أحياء، وكانت تسمى حواري اليوم الأول، إذ يكون الجميع في حي العنبرية وعلى الجميع من الأحياء الأخرى أن يعايدوا حيا واحدا فقط، وهكذا في اليوم التالي.
وأبان بابا أن إفطار العيد كان بوجود الدبيازة الأكلة المميزة في العيد، إضافة إلى جميع أنواع الجبن والزيتون، والعشاء يكون «السليق»، وكانت أوقات المعايدة في الضحى وبعد فريضة المغرب حتى بعد منتصف الليل، وفي حالة مرض إحدى النساء تقوم جميع النساء المجاورات لها بأعمال المنزل حتى لا تتعكر فرحة العيد في منزلها من انزعاج الزوج، وإنما يكون المنزل على أتم الاستعداد في استقبال المعايدين، وجميع تلك العادات أصبحت منقرضة ومندثرة سواء من الأحياء أو النفوس، وأصبح الأشخاص الآن منطوين ولا يحبذون تلك العادات بحجة التطور، وعندما يكون لدى الأحياء عرس أو زواج لا توجد قصور أفراح أو خلافها، وإنما منازلنا هي القصور وكان الليل للنساء وبعد صلاة الظهر للرجال، أما الآن اختلفت التجهيزات وأصبحنا غرباء.