فلسفة السعادة

السعادة هي شعور بالبهجة المصحوبة بالرضا ويتلاشى معها الصراع الداخلي فيشعر الفرد بالطمأنينة، وتتحقق السعادة عندما تشبع الحاجات وتحدث التوقعات وتغيب الصراعات، فالإنسان عندما يعاني إلحاح حاجاته سواء الأولية أو الثانوية يقل شعوره بالرضا على قدر شعوره بالحاجة وينشب داخله صراع الاحتياج مع إحباط الواقع وتأجيله للإشباع، وعندما تخيب توقعات الإنسان يشعر بالفشل وعدم السيطرة الداخلية على الأمور ومن ثم بالإحباط وغياب السعادة.
يتحدث زرادشت عن السعادة فيقول لا تعذّب نفسك بالهموم، لأن المهموم لا يشعر بلذة الحياة ومتعة الروح، فيذبل الجسد وتذوي الروح، وجميع الناس في كل الأزمنة ينشدون السعادة ويتوقون إلى بلوغها ويبقى الأمل يترقبها، واهتمت جميع الفلسفات بالنفوذ إلى مفاهيمها، وتوصلوا إلى أن الحكمة هي أهم ينابيع السعادة. ويرى سقراط أن السعادة حكمة، والحكمة هي إعادة النظر في أمور الحياة لاختيار الأفضل، وتعرف السعادة وتتحقق بفعل الخير، لأن الحقيقة لا توجد خارج نفوسنا بل هي فيها، والعقل يعلم الإنسان أن السعادة مطلب الطبيعة والفطرة السوّية، فالسعادة ليست لذة أو إرضاء الأهواء وليست في الثروة المترفة إنما السعادة هي الانسجام بين رغبات الإنسان وظروفه.
وأفلاطون يعتقد أن السعادة فضيلة الإنسان، والخير الأعلى هو الذي يجسد الصور السامية مثل: الحق والخير والجمال، واللذة الصافية النقية هي التي تحدثها الفنون الجميلة. والسعادة هي غاية أفعال الإنسان، لذا يرى أرسطو أن هناك ثلاثة صنوف من العيش السعيد، الأول: يرى السعادة في لذة الاستمتاع المادي والشهوات. الثاني: يرى السعادة في المجد والملك. الثالث: يراها في التأمل والتعقل حتى بلوغ الكمال الإنساني، وهناك أشياء أخرى يكون الحرمان فيها مفسدا لسعادة الإنسان، فلا يمكن أن يقال عن إنسان إنه سعيد إذا كان في الخلقة تشويه ما، أو إذا كان له أولاد فاسدو الأخلاق أو إذا اختطف الموت أحد الأصدقاء، أو إذا أصيب بمرض عضال.
وعند ابن عربي أن سعادة الإنسان العظمى عندما ينزل إلى أعماق نفسه، ويتأمل صورته فتكشف له وحدة الحق والخلق وإدراك عظمة الوجود وجماله وكماله خلال المتغير الفاني، وجنة كل إنسان وناره من درجة هذه المعرفة. ويقول يحيى بن عدي: ينبغي لمحب الكمال أن يعوّد نفسه محبة الناس أجمع والتودد إليهم والتحنن عليهم والرحمة لهم، لأن البشر تجمعهم الإنسانية. أما عند الفارابي فإنّ أخص خيرات الإنسان هو العقل، لذا وجب استخدامه لكشف السعادة، والسعادة هي الخير وكل ما عاق السعادة هو الشر. وابن سينا يؤكد أن الكمال الخاص بكل شيء هو خيره، ومن الوهم فصل الكمال والخير عن اللذة، فالعشق الحقيقي هو الابتهاج، والشوق هو الحركة لإتمام هذا الابتهاج.
السعادة تنبع من الداخل، فعلينا أن نجتهد في البحث عن أسباب تحقيقها أكثر من اجتهادنا في محاولة البعد عن أسباب الألم والحزن، فوضوح الغاية عند الإنسان يسبب له الاطمئنان ويؤدي إلى السعادة.