فرحة العيد.. ماذا يقتلها؟

هناك مظهران يقترنان بالعيد لدينا نحن السعوديين، أولهما: الخلود إلى النوم في أيام العيد، حتى ليغدو النوم عند معظم الأسر الفعل الأبرز لها في العيد، فهي تنام نوماً ثقيلاً طويلاً آسناً مملاً.. ولا يكاد هذا المظهر يجاوز السعوديين إلى غيرهم من الأشقاء والأصدقاء المقيمين إلا قليلاً. أما الثاني فهو السفر الذي يخطف العديد من الأسر أو الأفراد إلى خارج المملكة، فلا يقتصر على الأسر الغنية والمتوسطة وهم بحمد الله شريحة واسعة في المجتمع، بل يتعداهم إلى بعض محدودي الدخل الذين لا يجتمع في أيديهم إيجار سكنهم إلا بفَرْض بعض التقشف على مصاريفهم.
المظهران هذان يخرقان الشعور بالعيد، ويفرغانه من حمولاته. والإجابة المكرورة عن ذلك، هي القول: وماذا نصنع؟ أين نذهب؟ أين العيد بعد أن نفرغ من الصلاة ومن معايدة ذوي القربى؟ وهذه أسئلة تشير إلى أزمة اجتماعية لدينا في ثقافة الفرح والترفيه وفي القدرة على تصور أجواء ممتعة ومليئة بالأُنْس، وفي خَلْقها. فعلى الرغم من حشد أمانات المناطق لمناشط ترفيهية مثل الألعاب النارية والمسرحيات والعروض الشعبية...إلخ، فإن التأمل في علاقة من يهتم بها من الناس، وتأمل مشاهدتهم لها لا ينم أبدا عن أجواء العيد!
كأن العيد لكي يكون عيداً أبسط من هذا التكلف والتكرار والرسمية! وعلينا - على سبيل المثال - أن نتأمل بإزاء ذلك الحدائق العامة، فمعظم من يقصدها في أيام العيد هم من الأسر غير السعودية: أيُّ بهجةٍ هذه التي تجمع الأسر والأطفال وآباءهم فيها بعيداً عن المحاصرة الاجتماعية وأَسْرها؟ لماذا لا تألف أسرنا مثل هذه الأجواء؟ ماذا تريد الأسر التي تهرب إلى السفر غير أجواء خالية من الترصُّد؟ ولماذا تفضِّل أخرى النوم عن بهجة الاختلاط بالناس والتشارك معهم زحمة المكان وثجِّه وعجِّه بالأصوات والحركة ولعب الأطفال؟
إن العيد حدث اجتماعي وليس حدثا فرديا، فلا أحد يستشعر العيد منفرداً، ولا معنى للعيد عند إنسان لا تربطه بالناس علاقة من نوع ناقل لكهرباء الغبطة والانشراح! ولأن العيد حدث اجتماعي فإنه حدث وطن ومجتمع وأمة، أي حدث مشاركة وانتماء وحس بهما، ولذلك فإن من يختار المغادرة إلى خارج الوطن - مثل من يختار النوم - في أيام العيد لن يجد بهجة العيد، بالكيفية المقررة له نظرياً. عدا ذلك فإن أخص خصائص دلالة العيد هي الابتهاج بالحياة والتعلق بها؛ إنه دلالة على زمن معين، فهو يعود، أي تدور دورة الزمن به، لكن الزمن الذي يعود بالعيد في موعده الذي لا يتغير هو نفسه وعاء التغير والتبدل، ولهذا كان العيد مناسبة للتهنئة بالصحة والعافية والخير، ودعاء إلى الله تعالى بدوامها.
هذه التهاني والأماني والأفراح الجميلة التي يفيض شعور الناس بها في العيد تنطوي على معنى «المعايدة» والتكرار لحدث العيد ولكنها مسكونة بشعور النجاة، أي الإفلات من المكروه، فلو لا أن سيرورة الحياة تنطوي على ما يجلب الأكدار لما كان للتهنئة بالخير والفرح بالنعمة موجب! أعاد الله عليكم العيد وأنتم ومن تحبون في أحسن حال.