الطاقة عنوان حروب القرن الـ 21

تتغذى الصراعات العالمية على نحو متزايد من الرغبة المحمومة في النفط والغاز الطبيعي والأموال الهائلة التي توفرها الطاقة، بحسب ما يقول مايكل كلار في مقال نشره موقع World News Daily أخيرا.
فأينما وليت وجهك ستجد العالم مشتعلا بالصراعات الجديدة (والمتجددة) بكثافة، العراق وسوريا ونيجيريا وجنوب السودان وأوكرانيا وبحر الصين الجنوبي والشرقي أيضا.
للوهلة الأولى تبدو هذه الاضطرابات الساخنة وكأنها أحداث منفصلة ومستقلة بعضها عن بعض، لها دوافعها الخاصة وظروفها الداخلية، ولكن إذا أمعنت النظر عن كثب ستجد أنها جميعا تشترك في عديد من الروابط والخصائص الرئيسية.
يذكر هنا أن الوقود السحري للعداوات العرقية والدينية والوطنية، وصل إلى نقطة الغليان قبل أن يتمركز حول الطاقة.
في كل هذه الصراعات يظل الدافع وراء الحروب والعنف والدماء، هو “العداوات التاريخية” التي ظلت كما هي داخل الدولة الواحدة أو بين الدول وبعضها بعضا، حيث تتداخل وتختلط دائما القبائل والطوائف والأعراق والأديان والشعوب المختلفة.
في العراق وسوريا تبدو الأمور أوضح حيث الصراع بين السنة والشيعة والتركمان والأكراد وغيرهم، وفي نيجيريا الصراع بين المسيحيين والمسلمين، وفي جنوب السودان ينشب الصدام بين التجمعات القبلية المتباينة مثل الدينكا والنوير، وفي أوكرانيا يتجدد الخلاف بين الأوكرانيين الناطقين باللغة الروسية والموالين لموسكو وبين الأوكرانيين المرتبطين بأوروبا الغربية وأمريكا، وتدور رحى الصراع حول بحر الصين الجنوبي والشرقي بين اليابان وفيتنام والفلبين والصين وغيرها.
وعلى حين أن الأعمال العدائية المتصاعدة هي عوامل مساعدة لإدارة عجلة الصراع، فإن الدافع الأساسي الذي يغذي كل ذلك هو: الرغبة في السيطرة على أصول النفط وكنوز الغاز الطبيعي الثمينة، ولا يجب أن يغيب عن أذهاننا ذلك أو تضللنا الميديا، لأن كل ما يدور حولنا في العالم الآن – وربما غدا – هو “حروب الطاقة “ في القرن الحادي والعشرين.
النفط والغاز الطبيعي هما – قبل كل شيء وبعده – أهم السلع الأساسية في العالم وأكثرها قيمة حتى اليوم، وتشكل مصدرا رئيسيا للدخل بالنسبة للدول والحكومات وشركات الإنتاج والتكرير والصناعات والأمن والنقل والتوزيع والتجارة العالمية.
المصدر الرئيس للدخل الوطني في الدول المنخرطة في الصراع اليوم، سواء في العراق أو روسيا أو نيجيريا أو جنوب السودان من مبيعات النفط والغاز، في حين أن شركات الطاقة العملاقة (والكثير منها مملوكة للدول) لديها سلطات هائلة في هذه البلدان، ناهيك بالمناطق المحظوظة داخل هذه الدول التي تنتج النفط والغاز الطبيعي وتتحكم في جمع وتوزيع الإيرادات والعائدات، ومن هنا فإن الصراعات توظف العداوات التاريخية وتستخدمها إما في صراعها داخل (مناطق) الدول نفسها، أو بين الدول وبعضها بعضا (عبر الحدود).
علاوة على ذلك فإننا أصبحنا نعيش في عالم جديد يتسم بالمركزية في مجال الطاقة، وتحديد سعرها ووسائل توزيعها أو منعها كإحدى العقوبات، ومن ثم فإن السيطرة على مصادر الطاقة (النفط والغاز الطبيعي) تحولت إلى مصدر قوة و”نفوذ استراتيجي” لبعض الدول وإضعاف اقتصادي لبعض الدول الأخرى.
الدول التي تعتمد على واردات الطاقة وفوائض تصديرها، في أغلب الأحيان لا تمارس نفوذا كبيرا على المسرح العالمي، بما في ذلك العراق ونيجيريا وروسيا وجنوب السودان، لذلك ستجد أنها تعاني من مشاكل ديموغرافية وحدودية كبيرة، وفي الوقت نفسه هي مهددة دائما بالتدخل الخارجي في صراعاتها الخاصة، وهنا يتمثل “مصدر الخطر”، ويتم ذلك بالتدخل المباشر أو نقل السلاح لأطراف النزاع في الداخل أو إرسال جيوش من المستشارين أو استخدام سلاح المساعدات الاقتصادية.
النزاع حول مصادر الطاقة أحد الأسباب الواضحة في الصراعات الأخيرة، لا سيما الحرب بين العراق وإيران في الثمانينات من القرن العشرين (1980 – 1988) ثم حرب الخليج – في أعقاب غزو صدام للكويت - (1990 – 1991)، ثم الحرب الأهلية السودانية (1983 – 2005) والقائمة تطول ..وسنرى عن كثب وبوضوح كيف أصبحت حروب الطاقة (أو قل الوقود الأحفوري) في القلب من كل الصراعات في العالم اليوم.


العراق وسوريا وداعش

الدولة الإسلامية في العراق والشام “داعش” - ISIS يسيطر عليها مجموعة من المجاهدين السنة المتطرفين الذين تم تدريبهم على نحو جيد، ونجحت عن طريق استخدام القوة المفرطة والعنف في الاستيلاء على مناطق في سوريا وشمال العراق. وهذه الميليشيات المسلحة تدعي في النهاية إقامة دولة “الخلافة الإسلامية” في المناطق التي سيطرت عليها.
قد تبدو “داعش” – من وجهة نظر البعض – أنها مجموعة من المتطرفين المتعصبين تسعى إلى إعادة إنتاج العصر الذهبي، حيث التقوى والنقاء والإيمان والعدالة (عدم الفساد) في العصور الإسلامية الأولى، وفي نفس الوقت، قد تمثل “داعش” مشروعا جديدا لبناء الدولة التقليدية بكامل مؤسساتها ومختلف خصائصها ومقوماتها.
لقد تعلمت الولايات المتحدة (الدرس) في أفغانستان والعراق معا، وهو أن إعادة بناء “الهوية – الأمة” مكلف جدا – إن لم يكن مستحيلا – ومن ثم يجب إنشاء مؤسسات وتمويلها مع دفع الميليشيات المسلحة التي تنتمي ثقافيا إلى المنطقة (لا الجيوش الخارجية) مع الحفاظ على الأسس التحتية للبلدان دون المساس المباشر بمصادر النفط!
“داعش” – ISIS هي النموذج الأمثل – لما سيكون عليه الحال في المستقبل المنظور – لأن هذه الميليشيات (تمثل الأمل) لتحقيق الأهداف العالمية الطموحة، وتجريب الوضع الفريد الجديد والضروري للغاية لإرساء دعائم الاستراتيجية الكبرى في المنطقة!
المفارقة هنا أن سوريا لم تكن أبدا منتجا رئيسيا للنفط، ولم تنتج قبل الحرب الأهلية عام 2011 – وفي بعض الأحيان – سوى 400 ألف برميل يوميا وفرت لنظام بشار الأسد المصدر الرئيس للدخل، الآن معظم حقول النفط في البلاد هي تحت سيطرة الجماعات المتمردة والميليشيات المسلحة بما في ذلك “داعش” و”جبهة النصرة” التابعة لتنظيم القاعدة، فضلا عن الميليشيات التركية المحلية.
ورغم الانخفاض الملحوظ للنفط – وهو ما يجري استخراجه وبيعه عبر القنوات السرية لتزويد احتياجات المتمردين والأموال اللازمة لهم، فإنه تم الكشف للمرة الأولى عن أن سوريا هي بلد (نفطي) وتمتلك كافة مصادر الطاقة لاسيما (للغاز الطبيعي)، وأن نظام الأسد (الأب والابن) سرق في الماضي كل هذه الموارد، وبحسب “أبو نزار” وهو معارض لنظام الأسد فإنه “يجري الآن سرقة النفط وعوائده من قبل المستفيدين من الثورة والحرب الدامية في سوريا”!
فقد تورطت في البداية معظم الجماعات المسلحة في أنشطة استخراج وبيع النفط، ولكن منذ يناير الماضي 2014 عندما سيطرت “داعش” على الرقة أصبحت هي المهيمن على حقول النفط في سوريا، بما في ذلك دير الزور السورية التي تقع في المناطق المجاورة على طول الحدود العراقية.
واستولت “داعش” أخيرا على الأسلحة التي وفرتها الولايات المتحدة للجيش العراقي الذي فر هاربا من الموصل ومدن عراقية أخرى في شمال العراق، والتي تم نقلها على الفور إلى داخل سوريا للمساعدة في إحكام السيطرة على المنطقة بالكامل الواقعة بين غرب العراق وشرق سوريا، فقد قاتلت “داعش” أساسا من أجل السيطرة على أكبر مصفاة عراقية في “بيجي” في وسط البلاد.
ويبدو أن “داعش” – ISIS تبيع النفط مباشرة من الحقول التي تحت سيطرتها إلى مجموعة من “الوسطاء” السريين، الذين يتبعون ترتيبات معينة لنقلها عبر شاحنات ضخمة إلى التجار والمستهلكين في العراق وسوريا وتركيا أيضا.
ويقال إن عوائد هذه المبيعات تستخدم في تزويد “داعش” بالأموال اللازمة لشراء الأسلحة والذخيرة ودفع أجور المقاتلين.
الأغرب من ذلك – كما يؤكد العديد من المراقبين – أن “داعش” تبيع لنظام بشار الأسد النفط بأسعار مخفضة مقابل الحصانة وعدم شن غارات عسكرية جوية عليها، والتي يتم استخدامها بكثافة ضد الجماعات المسلحة الأخرى.
ويؤكد سكان الرقة – بحسب الصحفي الكردي سيروان كاجو – أن الجماعات المتمردة ضد نظام الأسد تتعرض لهجوم وغارات جوية مكثفة باستثناء جماعة “داعش” التي لم يهاجمها النظام ولو على سبيل الخطأ مرة واحدة.
القتال الدائر في العراق الآن يخرج قليلا عن نطاق الصراع الطائفي كما يتم تصويره في الميديا، وإن كان قد تم توظيف الطائفية جيدا لاسيما أخطاء حكم المالكي الشيعي، فالنفط هو العامل المركزي الذي يسعى الجميع للسيطرة على إمداداته وعائداته، سواء “داعش” أو حكومة المالكي أو الأكراد أو السنة العراقيون، فالحكومة (أي حكومة) تسعى لتعزيز قدراتها في بناء الدولة وتحقيق الاستقرار والمزيد من الأمن وتوفير سبل الحياة من خلال مصادر الطاقة، بينما استطاعت (جماعة مسلحة أو ميليشيا مسلحة) أن تعبر الحدود إلى داخل العراق وتسيطر على حقول النفط – في سابقة هي الأولى في التاريخ الحديث للدولة القومية – وتستولي على مناطق الثروة النفطية في البلاد وتتحكم فيها أيضا.


أوكرانيا والقرم وروسيا

الأزمة الراهنة في أوكرانيا بدأت في نوفمبر 2013 عندما تنكر الرئيس فيكتور يانوكوفيتش - حليف موسكو الرئيسي - لإقامة علاقات اقتصادية وسياسية أوثق مع الاتحاد الأوروبي عبر اتفاقية سابقة، واختار بدلا من ذلك توثيق العلاقات مع روسيا. وهو ما أدى إلى احتجاجات عارمة مناهضة لسياسات حكومة يانوكوفيتش في كييف، الذي هرب على إثرها في نهاية المطاف إلى خارج البلاد، حيث تحركت القوات التابعة للاتحاد الأوروبي للسيطرة على العاصمة، بينما تحركت القوات الروسية بأوامر من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للسيطرة على شبه جزيرة القرم وإعلان الانفصال عن شرق أوكرانيا.
الصراع في حالة أوكرانيا هو تعبير أيضا عن الهوية الوطنية والشرعية السياسية، ولكنه في العمق يدور حول الطاقة أساسا.
ووفقا لمركز معلومات الطاقة في الولايات المتحدة (EIA) فإن أوروبا حصلت على 30% من الغاز الطبيعي الروسي في عام 2013. والأهم من ذلك، أن أكبر شركات الغاز العملاقة الروسية (غازبروم) التي تسيطر عليها الدولة، تنقل ما يقرب من نصف إنتاجها عن طريق خطوط أنابيب الغاز التي تمر عبر الأراضي الأوكرانية.
لذلك فإن أوكرانيا تلعب دورا استراتيجيا حاسما في العلاقة المعقدة بين روسيا وأوروبا، لكن توجد تفاصيل كثيرة داخل هذه العلاقة، ذلك أن هناك فئة قليلة من المنتفعين في روسيا وأوكرانيا تسيطر على تدفق الغاز إلى أوروبا، وقد أثارت أخيرا الخلافات الشديدة حول نسبتها من أسعار الغاز الروسي، حيث ترتبط النخبة الأوكرانية بصفقات حميمية (تفوح منها رائحة الفساد) مع النخبة الروسية المهيمنة على “غازبروم”، وهو ما أدى في نهاية المطاف إلى تقليص الإمدادات إلى أوروبا، بعدما تنكر الرئيس الأوكراني الموالي لموسكو يانوكوفيتش لاتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي.
القادة الروس لديهم العديد من الأسباب القوية لإفشال اتفاقية الشراكة بين أوكرانيا والاتحاد الأوروبي، ويمكن أن توثق علاقاتها مع الغرب بسهولة مما يضر بالمصالح الاقتصادية الروسية حيث يعتمد الاقتصاد الروسي على مبيعات الغاز الطبيعي إلى أوروبا، ناهيك بالتهديد الخطير لمصالح النخب الروسية الشخصية وثرواتها الهائلة، وهو ما دفع يانوكوفيتش تحت ضغوط بوتين الجبارة، إلى إدارة ظهره لأمريكا وأوروبا والدخول في تحالف اقتصادي مع روسيا البيضاء في نوفمبر 2013، حماية للوضع المتميز للنخب من الأثرياء في روسيا وأوكرانيا. هذا الفساد فجر الاحتجاجات في ساحة الاستقلال في العاصمة كييف سقط فيها العشرات قتلى ومصابين، بينما الميديا تضلل الناس بأن ما يحدث في أوكرانيا هو استمرار للثورات البرتقالية في أوروبا والربيع العربي في شمال أفريقيا والمطالب الديمقراطية للشعوب والحريات وحقوق الإنسان.
ويمكن تتبع سلسلة الأحداث التي قادت إلى الأزمة الحالية بين روسيا وأكرانيا والغرب، حيث اكتسحت القوات الروسية شبه جزيرة القرم ووقعت أجزاء كبيرة من شرق أوكرانيا تحت سيطرة الانفصاليين الموالين لموسكو، بينما اقتربت المناطق الأوكرانية الغربية إلى دول الاتحاد الأوروبي، وهكذا تم بضربة واحدة، استدعاء سياسات الهوية في الصراع الدائر في أوكرانيا وإحياء النزعات والنعرات والولاءات القومية والعرقية واللعب عليها من كل الأطراف!
ابحث عن الطاقة، لأنها العامل الرئيس في كل الصراعات وداخل المعادلات المعقدة فقد أثارت شركة “غاز بروم” مرارا وتكرارا مسألة الأسعار التي تتقاضاها أوكرانيا لوارداتها من الغاز الطبيعي وهددت بقطع الامدادات تماما في 16 يونيو الماضي بحجة عدم دفع ثمن الشحنات السابقة وبعد يوم واحد من تفجير أحد خطوط الأنابيب الرئيسة التي تنقل الغاز الروسي إلى داخل أوكرانيا – وهذا الحدث هو قيد التحقيق الآن – بينما لا تزال المفاوضات جارية بين الرئيس الأوكراني المنتخب حديثا بترو بوروشينكو وبوتين حول أسعار الغاز .. إنها الطاقة!
قبل الأزمة الأوكرانية مباشرة نشطت العديد من شركات النفط الغربية وفي مقدمتها شركة “إكسون موبيل” من أجل التفاوض الجدي مع الحكومة الأوكرانية من أجل السماح لها بالوصول إلى تلك الاحتياطات الهائلة من الطاقة (النفط والغاز الطبيعي).
اليوم فقط، أصبحت الشركات الغربية تتفاوض مع روسيا! .. وحسب تعبير الخبير في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا الأوروبية الآسيوية كارول سايفتز: إنها صفقة كبرى!
لقد حرمت أوكرانيا من أي إمكانية لتطوير مواردها، بينما حصلت روسيا – باحتلال شبه جزيرة القرم – على كل هذه الموارد الهائلة!