بأيِّ وجع عدت يا عيدُ؟!
الاثنين، ٢٨ يوليو ٢٠١٤
يأتي العيد..
محملا بهزائم الروح وانكسارات الحياة المتشظية بين تشرذم عربي وتمدد طائفي مخيف يمزّق الأوطان ويعطل تنمية الإنسان.
يأتي العيد..
متدثرا حزن الثكالى ودموع اليتامى في بلاد الرافدين وبلاد الشام من سوريا إلى فلسطين، دون أي تباشير مستقبلية تلوح في الأفق.
يأتي العيد..
والشيعي يقتل السني، والسني ينحر الشيعي، دون الاحتكام إلى دين نقي من الشوائب، أو احتكام إلى مذهب خالص ومخلّص.
يأتي العيد..
موغلا في حزن عميق، وألم عريق، وبكاء يغسل خارطة الوطن العربي، ويكسوها أسى وبؤسا وضياعا مستطيرا.
يأتي العيد..
بعد شتات ابتساماتنا في زحام الطرقات المرصوفة بالوجع، وبعد خفوت أصواتنا التي كانت تملأ الأرض بهجة وغبطة.
يأتي العيد..
ونحن نردد مع شيخنا الأكبر أبو الطيب المتنبىئ:
عيدٌ بأيّةِ حالٍ عُدتَ يا عيدُ بمَا مَضَى أمْ بأمْرٍ فيكَ تجْديدُ
يأتي العيد..
والذاكرة تعود بي إلى أكثر من عقد من الزمن الجميل، حيث صادفت العيد في قاهرة المعز.. كانت الشوارع تختال بالملصقات والأهازيج والقمصان الملونة، تقرأ في عيون الصغار أنشودة وفي ملامح الكبار متعة الدنيا، ويتشكّل من ضحكاتهم مستقبل عامر، وشرفة ينام على أكتافها القمر.
يأتي العيد..
وأنا أتذكر إحدى سنوات الشام الباذخة، عندما كان حقلا متلعثما بالعطر والأغنيات، حيث تتباهى دمشق بعروبتها.
كان عيدها يختال بزهو أطفالها الذين يتنقلون من بيت إلى آخر كفراش حديقة، مطوقين بأكاليل الورد، تحفهم المسرة وتغشاهم السكينة.
يأتي العيد..
وأستعيد أيام القرية التي كانت مشرعة نوافذها للحب والألفة، تثمرغيومها مطرا شفيفا، وتشتعل (مشعّلاتها) ليلة العيد، لتوقد الألق والسرور في نفوس أبنائها.
يأتي العيد..
وقد استحالت القاهرة إلى نزاعات براجماتية تفسد الحياة، والشام إلى حمامات من الدم، وفصائل دينية ودنيوية تعيش الموت، وتهندس الخراب، وتؤسس لمستقبل شاحب الملامح، قد تهوي به الريح في مكان سحيق!
يأتي العيد..
وقد ابتلع الاسفلت والحضارة الزائفة أطراف قريتي، وشوّهت قشور الحياة تقاسيمها التي كانت ذات زمن تفيض بالجمال والشيح.
يأتي العيد..
لتتحوّل مشاعرنا وتهانينا وتبريكاتنا إلى عبارات (نسخ ولصق) عبر رسائل واتس أب أو فيس بوك أو مهاتفات باردة، لا تخلو من عبارات مفرغة من روحها التي كانت ذات زمن تضج بإشراقات الروح.. ويكفي.