"تويتر" يفضح الكتّاب وينتصر للرقيب!
الأحد، ٢٧ يوليو ٢٠١٤
تويتر لم يفتح باب الحرية، بل أقنعنا أنه ليس ثمة أبواب ولا سقوف، الحرية: ثقة، ولأن بِيد الحرية رحبة سادرة.. تزعزعت ثقتنا، ففسحنا للأوصياء منصّة الـFollowers.. واستفتيناهم: ما حُكم الحريّة؟!
الحرية بقاموسنا هي مفردة للتهديد، وإليكم هذا المثال الذي يتكرر معنا يوميّاً، نُحاول أن نفرض رأينا على الآخر، نسفّه آراءه، نرفع أصواتنا، وعندما نيأس من أن يقتنع برأينا نتمتم: «أنت حُر»، ننفث هذه الجُملة بمرارة وكأننا نأسف فعلاً لأن الآخر اختار الحرية ولم يرض بالوصاية!
الآن سأقول كلاماً قد يغضب البعض، وبالذات الزملاء الكُتّاب، فالحقيقة أن (أغلب) الزملاء استفاد من (الرقيب) كثيراً، ودندن كثيراً على وتر (المظلومية) والإيحاء بأن لا شيء يمنعه من قول الحقيقة إلا (هامش حرية) -رغم أن الحرية لا يمكن أن تعيش على الهوامش- والحقيقة أن من يتحدث -مثلا- عن قضية فساد في جهة ما ويكتفي بالإشارة بغموض للمكان والشخص المعني فإنه إما متجن أو يحاول أن يوحي للشخص المقصود بأن يتواصل معه (شخصياً)، وبالطبع هذه تعني أن يفتح له الباب ليدخل لا ليغلق باب الفساد، ولهذا لو طلب رئيس التحرير (لا سمح الله) من الكاتب الذي يتحدث عن فساد أن يرفق مع المقال رقم (بلاغ) لهيئة مكافحة الفساد قبل نشر المقال فإنني أجزم أن كثيرا من صفحاتنا سوف تتكلم عن الفن ورياضة الهوكي!
وكي أكون أكثر شفافية وصدقاً فإنني من ضمن أولئك الكتّاب الذين تكلموا كثيراً عن الفساد، ولم أقم بالإبلاغ عنه (رسميا)، وهذا لا يعني أنني لا أمتلك الدليل، ولا أيضاً لأنني أنتظر أن أتبجح في مقالٍ تالِ وأقول: تشرفت باتصال من المسؤول فلان.. إلى آخر الديباجة الوقحة، فلله الحمد أن كل الجهات التي انتقدتها جهات غير خدمية، أي أنني لم أكن أرسل رسالة من تحت الماء، أما عدم إبلاغ هيئة مكافحة الفساد، فبصدق لا أملك مبرراً لعدم القيام بذلك، ربما الكسل وحده، وربما (الأنفة العربية) التي تقول (صاحب الحاجة هو من يأتي)، ولا أعرف أيضاً مبرر (الهيئة) بعدم اعتبار (المقال في الصحيفة) بلاغاً رسمياً؟، وعلامة الاستفهام هذه هدية لـ(نزاهة)!
ما علاقة كل ما سبق بتويتر والحرية؟
تويتر-أطال الله بقاءه- أحرج الكتّاب الذين يروجون للقارئ (مظلوميتهم) من قمع الرقيب، فالذين كانوا يهربون من الكلام مباشرة في الصحف بحجة أن الرقيب لن يمررها وجدوا أنفسهم في تويتر بلا (رقيب ولا هم يراقبون)، والرأي في مواقع التواصل الاجتماعي يكون تأثيره أحياناً أكثر من تأثير (المقالات الورقية) -وما بين الأقواس تسمية بريئة جداً لذا لزم التنويه- وأيضاً من يقرؤك في تويتر أضعاف من يشتري الجريدة أو يقوم بزيارة موقعها الالكتروني، ولهذا (فضح) المارد الأزرق حقيقة أسطورة المظلومية التي جعلت (أغلب، أيضاً!) الكتّاب يوحي لقرائه أنه يترفع عن الحضور لمنصّة تويتر، راضياً بتهمة البرج العاجي التي يمقتها، كل ذلك لأن تويتر يريد أن تقول رأيك بوضوح، فمئة وأربعون حرفاً تحرمك من المقدمات الباهتة ومن الألعاب اللغوية البهلوانية، والإيحاءات الغامضة، ويجعلك عارياً بكوارثك الإملائية ومصائبك اللغوية، وفكرتك التي لن يتجاوزها القارئ ويقلب الصفحة، بل يستوقفك وقد يسخر من فكرتك وسذاجتك في الطرح، فتجد نفسك دخلت عش الدبابير!
سيقول قائل: هل تحاول إقناعنا أن صحافتنا حُرة؟
لذلك أقول بالطبع لا، والسبب ليس وجود أو عدم وجود حرية، إنما بفهمنا نحن للحرية، فالحرية المطلقة غير موجودة حتى في الدول التي تًصنّف بأنها من معاقل الحرية، غالباً عدم إجازة المقال (وهذا ما حدث معي على الأقل) لم يكن بسبب الفكرة أو الجهة المُنتَقدة، بل بطريقة النقد الذي يأتي أحياناً عاطفياً منفعلاً، وشاتماً أكثر مما هو ناقد، ولهذا غالباً (العاطفة) هي سبب المنع، ففكرة هذا المقال أستطيع أن أعيد صياغتها بشكل مستفز يضطر الرقيب لمنعها، لكن لا رغبة لي بالذهاب لتويتر كي أقول صحافتنا بلا حرية، فالآن -على الأقل- لا رغبة لي بالقيام بهذه البطولة!