(الحرب على غزة).. النصر في ثبات الفلسطينيين وتجدد القضية
السبت، ٢٦ يوليو ٢٠١٤
مناظر مروّعة تنقلها شاشات القنوات التلفزيونية من أرض غزة التي تتعرض لعدوان جائر وهمجي تغيب فيه موازنات القوى على الأرض، وتظهر معه وحشية العدوان الإسرائيلي الحاقد، كما يظهر وبجلاء هلامية قرارات الهيئة الأممية، ومجلس الأمن وغياب الهيئات الحقوقية والقانونية وحقوق الإنسان التي اتخذها الغرب ذريعة لتمرير مخططاته المفضوحة في البلدان العربية والإسلامية.
يقابل ذلك كله صمود الفلسطينيين الذين يدافعون عن حقهم المسلوب في وطنهم، وينشدون الحرية بدمائهم التي بذلوها رخيصة دون أرضهم، ومع تباين القوة الحربية بين طرفي النزاع، الذي هو في حقيقته صراع عقدي يلازم حقد الصهيونية الأزلي على الإسلام والمسلمين، أمام شعب جريح سُلبت أرضه، وكُبّلت حريته، وحُرم أبسط حقوقه في الحياة والعيش الكريم، إلا أنه ومنذ بدء الاحتلال الغاشم لأرض فلسطين وفي كل عدوانٍ حربي تشنه إسرائيل تفاجأ - بفضل الله - بنتائج عكسية تجعلها تعيد حساباتها ومخططاتها التي تسعى من خلالها لطمس هوية فلسطين العربية المسلمة وتهويد الأرض وتركيع الفلسطينيين لتقديم التنازلات.
إنها تتيقن في كل مرة حياة القضية وتمسك أهلها بها ونفاحهم عن أرضهم ومقدساتهم وهويتهم، وإذا كانت الغطرسة الإسرائيلية تستطيع تدمير ما تبقى للفلسطينيين من مساكنهم وأراضيهم فإنها لن تستطيع مهما أوتيت من قوة أن تقنع أطفال فلسطين وشبابهم فضلا عن شيوخهم بالتنازل عن أرضهم ونسيان قضيتهم، لأن الحديث عن الأرض هو حديث عن العزة، والكرامة، والمأوى، والهوية، بل تكتشف إسرائيل في كل عدوان أنها أمام قضية عصية تستمد وجودها وإيقاد جذوتها من إيقان أصحابها بعدالة قضيتهم وأنهم إنما يدافعون عن عقيدة تدور حربها على أرض فلسطين.
وإذا كان الدعم الغربي غير المحدود لإسرائيل كما جاء على لسان جون كيري وزير خارجية أمريكا مع بدء العملية البرية في غزة الأسبوع قبل الماضي بأن أمريكا تقدم دعمها المفتوح لإسرائيل يقودها لتسجيل انتصارات على أشلاء وجثث نساء وشيوخ وأطفال فلسطين، فإن الانتصار الحقيقي في نظري هو في تجدد القضية وتمسك أصحاب الحق بحقهم ودفاعهم عن أرضهم.
ومهما طالت قوائم الشهداء والجرحى فإنها لن تثني الفلسطينيين يوما حماقات الاحتلال، ولم يفت في عضدهم جبروت القوة، ولا انعدام الضمير العالمي، ولا المساواة بين الضحية والجلاد، فمنذ ثورة احتفالات موسم النبي موسى عام 1920 مرورا بالثورة الكبرى عام 1936 حتى عام 1939 وما تلاها من ثورات، وتصدٍ للاعتداءات الإسرائيلية، حتى دقت حرب ديسمبر عام 2008 طبولها حينما أخل الجانب الإسرائيلي باتفاق القاهرة - كما هي عادته في كل اتفاق - فارتكبت إسرائيل مجزرة (السبت الأسود) وقتلت أكثر من 200 فلسطيني في اليوم الأول من الضربات الجوية على قطاع غزة، أعقب ذلك حرب 2012 أو ما أسمته (عامود السحاب)، وردت المقاومة الفلسطينية بـ (حجارة السّجيل).
وتعاود إسرائيل حربها على غزة أمام ناظري العالم ووسط صمته، فيما تلقت إسرائيل درسا يضاف لما وصلت إليه في حروبها السابقة من ثبات الفلسطينيين ورباطة جأشهم، وأنهم يعيشون قضيتهم ويتنفسونها، ولا يمكن لهم نسيانها مهما كانت الظروف والأسباب وما تفضي إليه من نتائج، يدعمهم في ذلك العالم الإسلامي والعربي فـ (فلسطين) قضية كل عربي ومسلم، ولم يكن أمام الصهاينة سوى التعتيم الإعلامي على ضحايا هذه الحرب الغاشمة بعد أن كانت تظن أنها لا تقهر.