Face to face مع السيد المسؤول

اليوم يلمس الإنسان أكثر من أي وقت سلف المعنى الحقيقي لضغوط الحياة، ويشعر عن قرب أنه مع الوقت في سباق. تعددت مشاغل الناس وتنوعت وأصبح الجميع في وضعية «وجها لوجه» مع الأمر الواقع، الكل في سباق مع الزمن في كل مكان، الجميع يتساوون أمام المدعو الوقت، الملقب بالسيف فإما أن يقطعوه وإما أن يقطعهم مهما تباينت خطوط السير وميادين الاهتمامات.
الاستثناءات واردة، وثمة من لا تهمه ضغوط الحياة لعدم الشعور بها أصلا مثلما يجوز القول بأن هناك من لا يعني له الوقت أكثر من عقارب ساعة تدور وتمضي ومن الحكمة في قاموس الفئة المعنية أنه لا مجال للدخول مع الوقت في سباق ولا في صراع، وهم إن قلبت الأوراق معذورون لغياب الضغوط من دفاتر حياتهم، وهنا يحتار المرء هل يغبطهم أم يشفق عليهم، هذا لا يهم، المهم أنهم قلة، لهم حساد يشقون بهم ويتعبون في مراقبتهم.
السياق يفرض الاستفهام، ولا أجد عندي ما يعتد به للفصل في السؤال - هل تعقيدات الوقت مصدر من مصادر ضغوط الحياة أم إن ضغوط الحياة هي التي جعلت الناس يدركون قيمة الوقت جراء تحركه سريعا أمام محاولاتهم إتمام مشاغلهم ومتابعة أمورهم عامها وخاصها؟، الواضح أن بين الوقت وضغوط الحياة كما يبدو تضامنا لكشف الإنسان على نفسه ورفع الغطاء عن واقعه ليتأمل الوضع ويعيد حساباته بما يتناسب مع مقاساته، ويطل السؤال المفتوح، هل بيننا من يصنع التعقيدات؟.
هذا التمهيد المطول لا يجنح لإيقاظ المواجع ولا يُقصد به تشجيع الكسالى والاتكاليين بقدر ما نحاول به دخول مربعات آمنة ومنطقية لملء سمع وبصر «السيد المسؤول»-أي مسؤول أينما كان- ومهما كانت درجته الوظيفية وطبيعة مهام عمله لشد انتباهه بإخلاص لقراءة وإعادة قراءة حسابات الواقع الراهن من زاوية الحالة المسيطرة على معظم مسارات الحياة العامة وترتيب أوراق التعاملات مع الناس على اعتبار أنهم مثقلون بهموم ومتاعب تتعاظم وتختلف ألوانها.
ومن مهم القول وأصدقه في رأيي أن الناس كل الناس يدركون مكانهم المحوري في صدر اهتمامات الدولة ويراقبون توجيهات القيادة لخدمتهم وتسديد احتياجاتهم وحرصها على مصالحهم مقدرين وممنونين.
عموما، المطالب بحكم ما تقدم إلى جانب ما تفرضه دورة الحياة تتوسع والتطلعات تتصاعد ويرتفع سقفها والظروف المحيطة في حكم الجاهزية لتنشيط التوتر وتحريكه في أكثر من دائرة، ومقابل ذلك يُقيّل «البعض» من القائمين على شؤون إدارة خدمات الناس ويمسون في الأبراج العاجية أو على مقربة منها إنهم تواضعوا، وهذا يتعارض مع المأمول ويزيد الأوضاع تمددا في المشقة والاستياء.
خلاصة القول، أن المسؤول المحب لوطنه لا يمكن أن يترجم أمانته وإخلاصه عبر قناة المتحدث الرسمي مهما كانت مهارته في الإقناع ومهما كانت قدرته على» تسوير» المسائل ولا يمكن أن يُحدث شئيا من التأثير على غير بينة عبر الوسائل الإعلامية حتى وإن برز حديثه في الافتتاحيات أو تحت أضواء الفلاشات الموسومة بالإغواء هنا وهناك. ومن المعلوم في كل الأحوال أنه ليس من المعقول ولا من المقبول أن يُعبر أي مسؤول عن الإخلاص والأمانة بالمزايدات وإطلاق الوعود البراقة في وقت يمكن معه تتبع وقياس كل شيء بالمسطرة.
ختاما، ارتفاع مستوى رضاء الناس وارتياحهم إلى جانب انخفاض قضايا مخالفة الأنظمة وتراجع الفساد هي المقياس الحقيقي لأمانة ونجاح أي مسؤول، والسبيل إلى ذلك يسير ويبدأ من تفهم سعادته لمعادلة تمثيل الدولة أمام الناس وتمثيل الناس أمام الدولة بإخلاص. وكل عام وأنتم بخير.