إعادة هيكلة مؤسسات التقاعد أصبحت واجبا

لا صوت يعلو هذه الأيام على صوت استغاثة مؤسسات التقاعد في المملكة لإنقاذها من ورطتها المالية التي تهدد استمرار دفع رواتب المتقاعدين والمشتركين، هذه الأصوات منها ما يصدر من قبل المؤسسة العامة للتقاعد (المسؤولة عن تقاعد موظفي الحكومة)، والمؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية (المسؤولة عن تقاعد موظفي القطاع الخاص) مباشرة، ومنها ما يصدر من جهات أخرى كمجلس الشورى.
وتلمح كلتا المؤسستين إلى أن رفع سن التقاعد إلى 62 عاما، وإيقاف التقاعد المبكر هو الحل المناسب للخروج من أزمتيهما الماليتين، فمحافظ المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية سليمان القويز يشير إلى أن «التقاعد المبكر يكلف النظام التأميني الكثير، إذا ما علمنا أن 12% من المستفيدين الذين تقاعدوا مبكراً يستهلكون تقريباً 50% من المعاشات الشهرية»، وبعبارة أخرى تدفع المؤسسة سنوياً ما يقارب 15 مليار ريال، يستأثر المتقاعدون مبكراً ويمثلون 12% بنصف هذا المبلغ نحو 7.5 ملايين ريال، فيما يتوزع الباقي على 88% من المتقاعدين، ويرى أن مشكلة التقاعد المبكر تزيد من الضغط الواقع على المؤسسات العاملة في مجال التأمينات، كون الاشتراكات التي يتم استقطاعها، لا تكفي لتمويل سنوات التقاعد (الجزيرة، أبريل 2014).
وتحت قبة الشورى تقترح الأصوات المطالبة بدعم هاتين المؤسستين، وإنشاء صندوق احتياطي لدعم مؤسسات التقاعد، أو قيام الحكومة بإقراض المؤسسة العامة 100 مليار ريال، وإقراض المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية 50 ملياراً على مدى 25 عاماً، لتغطية العجز المتوقع في صندوقيهما، وليتمكنا من توسيع استثماراتهما أسوة بالقرض الذي حصلت عليه شركة الكهرباء السعودية أخيراً من الحكومة.
وعلى افتراض أن المؤسستين نجحتا في تمرير نظام رفع سن التقاعد إلى 62 للموظف للعام، أو تحركت الحكومة وفقاً لمطالبة أعضاء مجلس الشورى لإنشاء صندوق احتياطي لدعم مؤسسات التقاعد، أو أنها أقرضت المؤسسة العامة للتقاعد 100 مليار ريال، والمؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية 50 ملياراً، لتغطية العجز المتوقع في صندوقيهما، رغم أن تطبيق الخيار الأول هو الاحتمال الأقرب كون المواطن دائماً الحلقة الأضعف التي يمكن كسرها.
فإن أياً من الحلول المقترحة لن يكون حلاً مثالياً للمشكلة، وإخراج المؤسستين من أزمتهما المالية، حتى وإن حدث هذا سيكون ذلك موقتا، ثم ستعود أصوات الاستغاثة للظهور مرة أخرى، وبصوت أقوى من السابق، كون مشكلة المؤسستين لا تكمن في توفر الموارد المالية، بل في ضعف آلية إداراتهما واستثماراتهما لادخارات الموظفين.
فعمر المؤسستين الطويل 56 سنة للتقاعد، و45 سنة للمؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية، والدعم الحكومي المتواصل لهما، وتخصيص جزء من أسهم الشركات المطروحة للاكتتاب لهما، لم يشفع لهما في الوصول إلى نقطة تمكنهما من تنمية استثماراتهما بشكل متواصل، والوفاء بالتزاماتهما المستقبلية نحو المشتركين والمنتفعين من خدماتهما، مما يعني أن هناك خللا لدى المؤسستين في كيفية إدارة ادخارات الموظفين.
وقد يعود هذا الخلل إلى البيروقراطية الإدارية أو سوء الاختيار لأعضاء الإدارات الاستثمارية، وبالتالي سوء صناعة القرار الاستثماري، وأياً كان مصدر الخلل، فإن ما يجب على المؤسستين عمله حالياً هو الاعتراف بالمشكلة أولا، والبحث عن منبع الخلل وتصحيحه، ثم العمل على إعادة النظر في كيفية إدارة هذه الادخارات، وتنويع الاستثمارات بين استثمارات آمنة ذات عوائد منخفضة، و أخرى تنطوي على مخاطر أكبر لكنها تضمن عوائد عالية، ومع أني أستبعد تطبيق ذلك في ظل استمرار الحرس القديم في المؤسستين الذي «يؤمن أن قليلا دائما خير من كثير منقطع»، وهو ما لا يجدي نفعاً في قطاع المال والأعمال اليوم.
لذا فإن تدخل الحكومة لإعادة هيكلة المؤسستين بدمجهما في مؤسسة واحدة قد يصبح في حكم الواجب قريباً، ورغم قسوة إعادة الهيكلة إلا أنها ستخلق مزايا متعددة منها ارتفاع رأس المال، والتحول إلى مؤسسة ذات قدرة مالية كبيرة، وإيجاد إدارة استثمارية محترفة لديها رؤى طموحة وقادرة على تحمل المخاطر، والاستثمار في سندات الأسواق الناشئة والسندات الأجنبية مرتفعة العائد والسندات الأجنبية المرتبطة بمؤشر التضخم.