إملاءات قم تفجر العراق
الجمعة، ٢٥ يوليو ٢٠١٤لم يشكل سقوط عدة مدن وبلدات عراقية كأحجار الدومينو بيد تنظيم داعش مفاجأة كبرى، ذلك أن المعطيات والوقائع السياسية والأمنية التي يشهدها الشرق الأوسط، والمناخات السياسية المنذرة بأحداث طارئة، فتحت الباب أمام مثل هذه التطورات والتحولات الدراماتيكية التي تجسد العواصف التي تجتاح هذه المنطقة المنكوبة، الممتدة من أفغانستان مرورا بالعراق وسوريا ولبنان فاليمن وصولا إلى دول شمال أفريقيا، مهد لها ما سمي بـ”الربيع العربي” الذي سرعان ما تحول إلى خريف مر وقاتم.
زلازل سياسية
وفي قلب هذه الأزمات الحادة، بدا العراق محطة مناسبة للتجاذبات والانقسامات والزلازل السياسية، ذلك أن هذا البلد الذي لم يشهد هدوءا في تاريخه الحديث، راح في العقود الثلاثة الأخيرة يخرج من أزمة ليدخل أخرى أشد فتكا وضراوة، وحين سقط نظام صدام حسين بعد الحرب الأمريكية سنة 2003 والتي جاءت على خلفية الهجوم الإرهابي الذي وقع في نيويورك في 11 سبتمبر 2001، استبشر العراقيون خيرا بولادة ديمقراطية ناشئة سوف تنقلهم من عهود الطغيان والاستبداد إلى آفاق الحرية والطمأنينة عبر مرحلة ديموقراطية تعددية انتقالية تمهد لرخاء اقتصادي ولتنمية مجتمعية شاملة.
لم يمر وقت طويل حتى ثبت خطأ هذا الاعتقاد، وتردد على الألسنة مجددا مقطع من شعر بدر شاكر السياب يقول “ما مر عام...والعراق ليس فيه جوع”، إذ دخل السياسيون العراقيون الذين “وصوا إلى الحكم على ظهور الدبابات الأمريكية”، كما يقول خصومهم، في معارك سياسية طاحنة، ووجدوا أمامهم ملفات عديدة عالقة، وإرثا ثقيلا وبغيضا من نزعات الثأر والانتقام، فتحول مسار العملية السياسية على عكس ما كان ينتظره الشعب الذي عانى مرارة حروب كثيرة، وتبدد آمال سنوات في حلبة المقامرة السياسية.
صناعة الديكتاتورية
نسي ساسة العراق الجدد سنوات النضال والكفاح ضد الحكم الديكتاتوري، ونسوا آلام المنفى والاغتراب، وظهروا ضمن المشهد السياسي الجديد وكأنهم يعيدون إنتاج الديكتاتورية ولكن بصيغ جديدة، وتحالفات مختلفة، إذ لم يتوقف نزيف الدم العراقي، ولم ينعم الشعب بالرخاء الاقتصادي والخدمي والصحي والتعليمي الذي كان يحلم به، ناهيك عن الحريات السياسية التي كان يتطلع إليها بعد عقود من الصمت القسري في ظل حكم البعث.
كل الأمراض والعيوب ظهرت دفعة واحدة، لكن هذه المرة جاءت على نحو موارب، ولم يستطع بريق الديموقراطية أن يقضي على الأهواء الانتهازية الفاقعة.
تلميذ إيران النجيب
كان لا بد لرئيس الوزراء العراقي نوري المالكي أن يثبت أركان حكمه حتى يكشف عن “حقيقة نواياه”.
انخرط في العملية السياسية مع مختلف التيارات والقوى العراقية، واستطاع أن يصل إلى رئاسة مجلس الوزراء، وهو المنصب التنفيذي الأرفع في العراق الجديد، وسعى إلى الجمع بين الفرقاء العراقيين.
لكن لم يدم الأمر طويلا حتى ظهرت لديه نوازع سياسية جديدة، ولا سيما في ولايته الثانية.
لقد اشتد عود المعارض العراقي السابق، الذي كان يعمل، كما يقال، بائعا في منطقة السيدة زينب بالعاصمة السورية في سنوات النضال السياسي، وبات يملك من القوة ما يتيح له الكشف عن خيارات وتوجهات لا تخدم العملية السياسية، ولا المصلحة الوطنية العراقية.
لطالما شكا الأكراد والسنة من سياسة المالكي الإقصائية، فهو همش الطائفة السنية، واتبع سياسة الاجتثاث بحق حزب البعث العراقي دون تمييز، وربط غالبية السلطات والمسؤوليات بشخصه، وأصبح الآمر الناهي في كل كبيرة وصغيرة.
وفي موازاة هذا التسلط السياسي عاش العراق حالة حرمان من أبسط الخدمات كالكهرباء والماء، فضلا عن قصور في مجال التعليم والصحة والنواحي الخدمية الكثيرة.
لقد عاش الرجل في المنطقة الخضراء المحصنة، بينما عاش السواد الأعظم من الشعب على أصوات الانفجارات اليومية، ووسط معاناة شديدة على مختلف المستويات.
هذا على الصعيد الداخلي العراقي، أما على صعيد السياسة الخارجية، فقد أثبت المالكي بأنه تلميذ نجيب لإيران، وأن مصلحة الطائفة هي فوق المصلحة الوطنية، وراح يترجم تعليمات المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي الذي شكل بالنسبة له المرجعية الأولى، متجاهلا هوية العراق العربية، وناسيا مصالح المحيط العربي، ولعل هذا ما دفع إلى خلق توتر في العلاقة مع مختلف البلاد العربية وخصوصا بلدان الخليج التي رأت في سياسات المالكي إقصاء لشرائح وقوى سياسية رئيسية.
وغني عن البيان أن إصرار المالكي على التمسك بولاية ثالثة لرئاسة مجلس الوزراء، في هذه الأيام، هو أوضح تعبير عن هذا السلوك “الإلغائي”، فهو رجل، كما يقول منتقدوه، لا يحكم من منطلق المصلحة الوطنية العراقية، بقدر ما ينطلق من الفهم الطائفي الضيق، وهو يصغي إلى إملاءات قم وطهران أكثر مما يصغي إلى آلام شعبه وأشواقه الحارة نحو الديموقراطية التي دفع ثمنا باهظا لأجلها.
داعش: إرهاب عابر للحدود
ضمن هذا السياق السياسي المجحف، يمكن وضع التطورات الأخيرة التي شهدها العراق، والتي تمثلت في اجتياح الدولة الإسلامية أو داعش لمناطق واسعة في العراق.
فقد وجد هذا التنظيم، ومنذ نحو سنة، في مدينة الرقة السورية ملاذا آمنا، وأسس ولاية مفترضة، وسرعان ما تمدد نحو محافظة دير الزور باتجاه الحدود العراقية، وأعلن مؤخرا عن مبايعة زعيمه أبي بكر البغدادي خليفة للمسلمين في تحد صارخ لرغبة العيش المشترك لدى شعوب المنطقة بمختلف مشاربها ومرجعياتها الفكرية والدينية.
وثمة عوامل ساعدت في هذه القفزة منها أن نظام المالكي لم يخف منذ بدء الأزمة السورية دعمه لنظام الرئيس السوري بشار الأسد، وثمة تقارير تقول إن هذا الدعم يشمل الجانب السياسي والمادي والعسكري.
وإضافة إلى هذا العامل، فإن المالكي راح يشن حملة ضد بعض المسلحين في مناطق الأنبار شرق بغداد ذات الغالبية السنية، قبل الهجوم الداعشي، وهكذا توفرت دوافع مباشرة حتى يجتاح داعش مناطق في العراق، وساهم في ذلك الاستياء السني من ممارسات نظام المالكي.
مخاوف خليجية
تعيش دول الخليج ضمن هذه الخارطة الجيوسياسية الملتهبة، ومن حقها أن تحمي حدودها وأمنها، وأن تبني تحالفات تضمن مصالحها وتصون سيادتها واستقلالها.
ولعل مثل هذه الأهداف المشروعة هي التي تحول على الدوام دون تقارب بين إيران، كزعيمة للعالم الشيعي، وبين السعودية، كزعيمة للعالم السني، فإيران تطمح إلى بناء قوة عسكرية بحيث تفرض أجنداتها بالقوة.
ولا يخفى على أحد أن السعودية حرصت على استقرار المنطقة، ودعت مرارا وتكرارا إلى ضرورة تشكيل حكومة توافق وطني في العراق يضم مختلف التيارات السياسية، ولا تقصي أحدا، وهوما قد يمهد السبيل أمام حلول للوضع الأمني المضطرب.
لكن إيران لا تلقي بالا لمثل هذه الدعوات التصالحية، وهي تعمل وفق مصالح طائفية ضيقة، فهي لا ترى في محيطها الإقليمي سوى نظام بشار الأسد وحزب الله والمالكي، وأي محاولة للمساس بهذا الحلف تدفع إيران إلى التشدد والعناد، ولعل هذا ما يفسر تجنب وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف زيارة الرياض رغم دعوة وزير الخارجية سعود الفيصل له قبل نحو شهرين، إذ تذرع ظريف بأنه مرتبط بمواعيد مسبقة للحوار حول برنامج طهران النووي.
وهذا البرنامج الذي يسعى الغرب إلى كبحه والحد من تأثيراته، هو بحد ذاته يمثل جوهر الطموحات الإيرانية وسعيها إلى السيطرة على المنطقة وتحقيق الحلم البعيد المتمثل في ما سمي بـ “الهلال الشيعي” الممتد من طهران وصولا للضاحية الجنوبية في بيروت حيث المعقل التقليدي لحزب الله اللبناني، الذي تغافل، بدوره، عن مقاومة المحتل الإسرائيلي، ووجه مقاتليه نحو الشمال لمساندة الجيش السوري في حربه ضد المعارضين.
يقظة سعودية
ورغم أن السعودية لم تخف قلقها من تمدد داعش في العراق، غير أنها لم تستجب للاستنجادات الأمريكية، كما ترغب واشنطن، ذلك أن السعودية تخشى من هيمنة النفوذ الشيعي من جهة، وهي تخشى كذلك من نفوذ الداعشيين.
ويبدو أن تحقيق المواءمة بين هذه المعادلة الدقيقة والمعقدة هي التي تسيّر السياسة السعودية التي تشعر بالارتياب حين تقوم الولايات المتحدة وإيران بإرسال المستشارين وتوفير طائرات الاستطلاع والدعم المادي للمالكي من أجل التصدي لـ “داعش”، ولكنها في الوقت ذاته تدعم مطالب سنة العراق، وكذلك المعارضة المعتدلة في سوريا، فهي ترى أن الأزمة العراقية أبعد وأعمق من مجرد تنظيم إرهابي، فثمة شريحة واسعة مبعدة عن آلية صنع القرار ولا بد من أن تنخرط في العملية السياسية حتى تستقيم الأمور.
تحصين الحدود
إن احتمال امتداد داعش نحو السعودية هو ضئيل في المدى المنظور، ذلك أن البيئة الاجتماعية السعودية بعيدة عن تقبل تلك الأفكار المتطرفة، ولا يمكن لها أن توفر حاضنة لتلك الجماعات التكفيرية المتشددة، وصحيح أن السعودية تعد قبلة العالم الإسلامي، لكنها تطبق إسلاما معتدلا، متسامحا، منفتحا على الآخرـ ولا يمكن، بأي حال، أن تقبل السعودية بفتاوى واجتهادات متطرفة.
يضاف إلى ذلك أن التكاتف بين القيادة الحاكمة وبين الشعب السعودي يمثل حصنا منيعا ضد أي محاولة تمس أمن السعودية، فعندما يكون النظام السياسي قويا ومتماسكا، عندئذ، يصعب اختراقه.
ويبدو حتى هذه اللحظة أن السعودية لا تحتاج إلى نشر قوات خليجية على الحدود السعودية مع العراق، وأن القدرات السعودية قادرة على احتواء التهديد الراهن الذي يمثله انسحاب القوات العراقية من الحدود مع السعودية، ومخاطر ازدياد عمليات التسلل.
وقالت مصادر إعلامية إن السعودية تكثف الرقابة على كافة المناطق الحدودية مع العراق، كما أنها تعمل عبر قنوات دبلوماسية مختلفة من أجل ضبط العملية السياسية في العراق على قاعدة التكافؤ بين المكونات السياسية.
وكانت تلك المصادر، ذكرت أن السعودية نشرت 30 ألف جندي على حدودها مع العراق بعد انسحاب الجنود العراقيين من المنطقة.
كما أن خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز أمر باتخاذ كافة التدابير اللازمة لحماية السعودية من أية “تهديدات إرهابية” محتملة.
الأكراد: حلم الدولة
خلال السنوات العشر الماضية، لم يظهر الأكراد أية نزعات انفصالية عن العراق، بل انخرطوا في العملية السياسية وأثبتوا جدارة في ذلك، وكانوا على الدوام “رمانة الميزان”، على حد وصف مراقبين، ضمن المعادلة السياسية العراقية الشائكة.
فالرئيس العراقي الكردي جلال طالباني، والذي عاد للعراق مؤخرا بعد رحلة علاج، وصف بأنه صمام أمان العراق، وهو نجح قبل مرضه في نزع فتيل أزمات طاحنة، فهو يتمتع بمهارة تفاوضية وحنكة سياسية خولته لفرض احترامه على الجميع.
وفي المقابل، فإن هوشيار زيباري وزير الخارجية العراقي الكردي هو، بدوره، أثبت مهارة في إدارة الدبلوماسية العراقية، وعبر عن السياسة الخارجية للعراق خير تعبير دون أن ينحاز إلى قوميته الكردية، بل سوق لبلاده في المحافل والمناسبات الدولية على نحو لافت، وكانت كتلة التحالف الكردستاني في البرلمان العراقي، بدورها، منسجمة مع متطلبات الدستور العراقي، وعملت وفق قوانين وأنظمة حكومة المركز في بغداد.
دبي العراقية
ولم يمنع هذا الانخراط في حكومة المركز ببغداد، الأكراد من الانهماك بتطوير إقليم كردستان الذي حقق قفزات اقتصادية هائلة بإمكانات مادية محدودة (حصة كردستان من الميزانية العراقية تبلغ 16%).
بهذه النسبة القليلة استطاع الأكراد أن ينشطوا الإقليم وأن يحققوا طفرة اقتصادية في مجال العمران والتعليم والصحة والسياحة والنقل والخدمات، وثمة بعض الزوار وصل به الحماس لدرجة مقارنة أربيل، عاصمة إقليم كردستان، بإمارة دبي المزدهرة اقتصاديا.
لكن المؤلم أن هذا التطور الهائل في كردستان لم يقابله تطور مماثل في باقي مناطق العراق الذي يملك ثاني أكبر احتياطي نفطي في العالم، لكنها تفتقر لأبسط مقومات العيش، وهذا بحد ذاته كاف لتوجيه سهام النقد إلى سياسات المالكي الخائبة.
اجتياح داعش
حين اجتاح داعش مناطق في العراق وجد الأكراد فرصة لتطبيق المادة 140 من الدستور العراقي حول كركوك بقوة السلاح.
فهذه المادة التي تنص على تطبيع الأوضاع في مدينة كركوك الغنية بالنفط ظلت مؤجلة على الدوام، رغم إصرار الأكراد على تطبيق هذه المادة التي ستعدل ديمجرافية المدينة إلى ما كانت عليه قبل استلام حزب البعث للحكم مطلع ستينات القرن الماضي، إذ سعى هذا الحزب القومي لتغيير التركيبة السكانية للمدينة، ذات الغالبية الكردية وفق المصادر التاريخية، بحيث يغلب عليها الطابع العربي.
ولم يكتف الأكراد بالسيطرة على كركوك بل إن رئيس إقليم كردستان أعلن عن نيته إجراء استفتاء حول الانفصال في المناطق الكردية، معتبرا أن حق تقرير المصير هو حق مشروع تكفله القوانين الدولية للأكراد.
وهذا الإعلان صب المزيد من الزيت على نار الخلافات المتفاقمة أصلا بين المالكي والساسة الأكراد الذين أبرموا اتفاقيات في الأشهر الأخيرة مع شركات لتصدير نفط كردستان دون الرجوع إلى الحكومة المركزية.
لكن في المجمل ينبغي الاعتراف بأن المزاج الكردي لا يميل إلى العنف، فهم يبحثون عن حقوقهم القومية المشروعة من دون أية رغبة في خوض معارك مجانية، خصوصا وأن الأكراد دفعوا أثمانا باهظة إبان نظام صدام حسين الذي شن حملة ضد الأكراد سميت زورا بـ “الأنفال” راح ضحيتها 182 ألف كردي، وما زالت ذكرى حلبجة التي ضربت في مارس 1988 بالسلاح الكيماوي وراح ضحيتها خمسة آلاف كردي في يوم واحد، ما زالت هذه المأساة المؤلمة حية في وجدان الأكراد الذين يتجنبون رائحة النعوش ويجنحون للسلم دائما.
لكن يبدو أن سياسات المالكي الذي استقر سنوات في كردستان أثناء عمله ضمن صفوف المعارضة العراقية، لم تترك للأكراد من خيار سوى التشبث بالامتيازات التي حققوها خلال السنوات الماضية، والدفاع باستماتة ضد كل من يحاول انتزاع تلك المكتسبات منهم.
الحلقة الأولى
الحلقة الثانية
الحلقة الثالثة
الحلقة الرابعة
الحلقة الخامسة
الحلقة السادسة
الحلقة السابعة