الفقر الذي نحتاجه

يا الله..
أعوذ بك من كلّ زُخرفِ غِنىً يُطغيني فيسلبني ذوق طعم الافتقار إليك.. وألوذ بغناك من أن اُضطر افتقاراً إلى من هو سواك..
فأسألك اللهم غِنىً لا يزيدني إلا افتقاراً إليك فلا تفقرني ربّ بالاستغناء عنك.. حتى لا يُشغلني عن قربك شيءٌ.
لكم أفتقر- يا غنيّ- إلى أن يُشغلني الثناء عليك بما أنت أهله عن أن يُشغلني ذكر نفسي فأشكرها ذلك أنّ اشتغالي بحقوقك أحبّ إلىّ من أن أكون لحظوظي ذاكرا.. فجرّد اللهم قلبي من كلّ حظوظها وأهوائها بحيث أكون بكلّي لك ذلك وأنّ من كان لنفسه فثَمّ ملك واستغناء منافٍ لكل معاني الافتقار إليك.. وما عبد الله حقّ عبادته من لم يفتقر إليه في كلّ أحواله.
اللهم إنّي أسألك الدرجات العلى من مقامات الافتقار إليك بحيث لا أفتأ في معارج كمالات منازل السائرين أترقّى فلا رأساً أطأطئه راكعاً إلا لك.. ولا وجهاً أعفر بالتراب ساجدا إلا بين يديك.. ولا أتذلل على الغاية التي عليها المنكسرون إلا بين مقامي: «إياك نعبد وإياك نستعين» ذلك أنّي أنا المتشح بإزاريّ الذل والتواضع فكنت بهما على الدوام متصفاً.. فيما العلو والعظمة والكبرياء وصفك..
أنت سبحانك.. من أكرمني يوم أن جعلتني ذاكراً لك ولولا سابغ فضلك لما كنت أهلا لذكرك فكيف إذن لا أفتقر إلى غناك وأنت من قلت: «فاذكروني أذكركم» إذ لا غنىً يشبه اعتنائي بك حين جعلتني مذكوراً عندك.. وفي الحديث القدسي قولك: «من ذكرني في ملأٍ ذكرته في ملأ خير منه» وما من شرفٍ دون هذا إلا وهو زائف.
اللهم و كما علمتني أن الأمور كلّها بيدك – إذ بيدك مقاليد السموات والأرض- فاجمع الله معاني الذل والانكسار في قلبي فيعمرانه حتى لا أستعين إلا بك ولا أتوكل إلا عليك ولا أخشى أحداً سواك كما لا أرجو أحداً غيرك.. رباه فكيف تكلني إلى نفسي وقد توكّلت لي بما فيه نجاتي.. وحاشاك أن تكلني إلى غيرك وما ثمّ حاجتي إلا إليك وليس لي من طِلبةٍ إلا فيما عندك.. ذلك أنك أنت الغني الحميد وإني لما أنزلت إلي من خير فقير.
فالحمد لله إذ وكلتني إليك فأكرمتني ولم تكلني إلى الناس فيهينوني.
إلهي.. كيف يرجى سواك وأنت ما قطعت الإحسان وكيف يطلب من غيرك وأنت ما بدّلت عادة الامتنان.. فكما طلبتني بأمرك اطلبني- ربي- برحمتك حتى أصل إليك ذلك أنّ رجائي لا ينقطع عنك وإن عصيتك كما أنّ خوفي لا يُزايلني وإن أطعتُك.. فأحمدك إذ تحبّبت إليّ وأنت الغني عني وما كان فقري إليك قطّ إلا غنىً زادني حبّاً إليك يزيدني لك عبودية.. فزدني اللهم عبوديّة لأزداد حبّاً وزدني حبّاً لأزداد عبوديّة.. وهبني قلباً لا يملؤه إلا الافتقار إليك لأتحرّر مما سواك ذلك أن مقام الذل ومقام الانقياد لا يصلحان إلا لك.. فاحفظني اللهم من خذلان التعلق بغيرك.
إلهي.. كيف لا أفتقر فلا أتصف بالتالي إلا بالافتقار إليك كيف لا يكون ذلك مني وأنت الذي مَن في الفقر قد أقمتني إذ أنت -سبحانك- الغني المطلق وأنا الفقير المطلق.. فهل أنّ من كان في مثل ما أنا عليه من فقر مدقعٍ إلا أن ينيخ مطايا تذلُّلِـه بين يدي غنيّ حميد.. وحسبي أني أنا الفقير في غناي فكيف لا أكون فقيراً في فقري..؟