غاز غزة هدف الاجتياج الإسرائيلي

تختلف المسميات وتتغير الوسائل وتتبدل السبل إلا “النفط والغاز” أو قل “الغاية - الطاقة”، فهي دائما وأبدا غير قابلة للتغيير. دعك من الحديث المعسول عن “الطاقة المتجددة” فهي ليست أكثر من “فيل أبيض” باهظ التكاليف، ورغم كل ما يقال عن أضرار “الوقود الأحفوري” على البيئة وتغير المناخ فهو ما يزال يحتفظ باللقب والصيت العالمي في القرن الحادي والعشرين.

القطار الأحمر - المتوسط

في فبراير 2012، بدأ مشروع إنشاء خط للسكك الحديدية يربط البحر المتوسط والبحر الأحمر (ويصبح بديلا لقناة السويس المصرية) في حركة النقل بين أوروبا وآسيا.
الهدف المعلن هو تصدير الغاز الطبيعي (الإسرائيلي) إلى الهند والصين وذلك بعد اكتشاف مخزون كبير من الغاز شرق المتوسط في موقع يبعد 130 كلم مقابل سواحل حيفا شمال فلسطين المحتلة على عمق 1634 مترا.
وهذا المخزون البحري هو الأهم من الناحية الاقتصادية – الاستراتيجية، حيث يقدر بعشرات المليارات من الدولارات ما يكفل للكيان الإسرائيلي الاستقلال في مجال الطاقة على مدى عقود.
وفي يونيو 2012 أعلنت إسرائيل عن اكتشاف مخزون للغاز الطبيعي في موقعين جديدين على بعد 70 كلم مقابل مدينة الخضيرة على ساحل المتوسط.
وفي تطور مفاجئ أدهش المراقبين، أعلنت السلطة الفلسطينية في سبتمبر 2012 ودون أي ترتيبات لإنهاء الصراع السياسي على حدود 1967 أو مشلكة اللاجئين أو القدس – أنها استأنفت المفاوضات مع إسرائيل حول الغاز الطبيعي قبالة سواحل غزة، رغم معارضة حماس التي تسيطر تقريبا على غزة البحرية.

جذور الصراع

اكتشاف الغاز أمام سواحل غزة يعود لمنتصف التسعينات في عهد الرئيس الراحل ياسر عرفات (أبو عمار)، وطيلة عقدين من الزمان (1994 – 2014) ظلت إسرائيل تعرقل كل المحاولات التي بذلت للاستفادة من غزة البحرية وتمنع الفلسطينيين من استغلال الثروات الطبيعية التي يمتلكونها، والحجة المعلنة دائما والتي تلقى صدى كبيرا في الغرب، هي: عدم استغلال “حماس” لعوائد الغاز الطبيعي قبالة سواحل غزة في شراء الأسلحة وتهديد العمق الإسرائيلي، لذا طالبت إسرائيل دائما وحتى تسمح بالتنقيب عن الغاز في غزة بالحصول على الغاز كله وبأسعار منخفضة تأمينا لهذه المخاوف.
ويبدو أن المعركة التي تديرها إسرائيل اليوم هي “معركة الحسم” والتي تم التخطيط لها منذ أن فازت حماس بقطاع غزة في 2006، فقد أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي الحالي موشيه يعلون في 2007 أن “الغاز لا يمكن استخراجه دون عملية عسكرية تجتث سيطرة حماس على غزة”، ومن ثم بدأت بالفعل عملية اجتياح غزة المعروفة باسم “الرصاص المصبوب” في ديسمبر 2008 عقب نجاح الرئيس باراك أوباما في الانتخابات الرئاسية الأمريكية.

المصالحة وروسيا

كان لا بد من انتظار 2014، ليبدأ التاريخ دورته من جديد، فقد شهد هذا العام أحداثا غير مسبوقة، منها انتقال القضية الفلسطينية من “السلطة” إلى “الدولة” وتشكيل حكومة وحدة وطنية والإعلان عن مشاريع عملاقة لعقود مقبلة.
فقد التقى الرئيس الفلسطيني محمود عباس “أبو مازن” في 23 يناير 2014 مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين حول إمكانية إسناد تشغيل آبار الغاز في غزة – بعمق 600 متر تحت مستوى سطح البحر، وبعرض 30 كلم، ويقدر حجمها بنحو 30 مليار كلم مكعب، وتصل قيمته إلى مليارات الدولارات – إلى الشركة الروسية الأكبر “غازبروم”، وهو ما اعترضت إسرائيل والولايات المتحدة ودول أوروبا الغربية عليه وبشدة.
أعقب هذا اللقاء تفاهمات سريعة وغير متوقعة بين السلطة الفلسطينية وحماس أسفرت عن اتفاق “المصالحة” بين الفصائل الفلسطينية المختلفة، وتشكيل حكومة “وحدة وطنية” في الثاني من يونيو 2014 فيما يشبه التمهيد الضروري لحل النزاع الفلسطيني – الإسرائيلي والتعجيل باستئناف مفاوضات السلام المتوقفة لسنوات، وقبل كل ذلك وبعده: تنفيذ الاتفاق الأبرز والأخطر في هذا القرن بين الدولة الفلسطينية وروسيا – حسبما أعلنت وكالة (ايتار تاس) للأنباء في مجال تعزيز التعاون في مجال الطاقة.
شمل هذا الاتفاق استغلال آبار الغاز في غزة، إضافة إلى حقل نفط يوجد في ضواحي مدينة رام الله افي الضفة الغربية، حيث استعدت الشركة الروسية تكنوبرومكسبورت للمشاركة في بناء موقع كهرو- حراري بقوة 200 ميجا واط.


ْالهدف الجديد للناتو:  من يسيطر على احتياطات المتوسط؟

دعم إسرائيل للسيطرة على الشرق الأوسط المفتت هو هدف استراتيجي للولايات المتحدة و”الناتو”، وهو يتكامل مع رؤية جيوسياسية أكبر للقرن الـ21 تتمثل في منع روسيا من مد نفوذها في المنطقة وانحسار تأثيرها على أوروبا! لا سيما بعد الأزمة في أوكرانيا واحتلال شبه جزيرة القرم.
فالصراع على امتلاك الطاقة (الغاز الطبيعي) في أعماق المتوسط هو ما يفسر كل ما يجري على سطح الأرض، وربما الفضاء (بما في ذلك إسقاط الطائرة الماليزية مؤخرا) وبدون فهم الاستراتيجيات العسكرية للقوى الكبرى في مجال الطاقة، يصعب استيعاب ما يحدث في سوريا والعراق وغزة..والبقية تأتي.
معروف أن احتياطات شرق المتوسط من الغاز الطبيعي تفوق احتياطات قطر، وأن تركيا (حليف قطر) التي خسرت كل شيء تقريبا نتيجة للرهانات الخاطئة “خرجت من المولد بلا حمص”، فلا طالت الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي ولا استطاعت استعادة هيمنتها السابقة على العالم العربي عبر احتضانها للتنظيم العالمي للإخوان المسلمين العابر للقارات، ناهيك بأنها مرشحة للصدام مع إسرائيل – رغم أنها تابعة لقوات حلف شمال الأطلنطي “الناتو” – فالمسألة لم تعد: من الذي سيمرر الغاز ويبيعه في أوروبا؟ وإنما الهدف الجديد الذي حدده “الناتو” هو: من الذي يسيطر على احتياطات الغاز بالكامل في شرق المتوسط ومن ثم يحق له استغلاله؟...بكلمة واحدة “إسرائيل”.


داعش أم حصان طروادة؟

بينما خطف ثلاثة شبان إسرائيليون في 12 يونيو – من قبل جماعة تابعة لداعش ISIS (الدولة الإسلامية في العراق والشام)- والعثور عليهم مقتولين في 30 يونيو، كانت “داعش” تقسم العراق طوليا بدءا من التاسع من يونيو (وهذه هي الحدود السياسية الجديدة) التي عزلت إيران عن سوريا ولبنان وفلسطين، بالتزامن مع تخطيط تل أبيب لعملية حاجز الحماية على غزة، والتي تهدف أساسا في الاستراتيجية الإسرائيلية للقرن الحادي والعشرين إلى امتلاك احتياطات الطاقة بالكامل في شرق البحر المتوسط (بما في ذلك احتياطات فلسطين وسوريا ولبنان ومصر وليبيا).
و”داعش” التي أعلنت الخلافة الإسلامية في الأول من شهر رمضان المبارك هذا العام (2014) هي إشارة البدء لإعادة تشكيل العالم العربي وتفتيت الشرق الأوسط.
لماذا؟لأن إعلان الخلافة في هذا التوقيت “الماكر”، هو تجسيد لتوافق الإرادة الدولية ممثلة في الولايات المتحدة وأوروبا الغربية والناتو.
الخلافة نقيض “الدولة القومية” لا تخضع لحدود ثابتة أو قل هي تحطم هذه الحدود.
إن فقدان دول مثل: العراق وسوريا ولبنان ومصر وليبيا واليمن أجزاء من أراضيها، وعدم القدرة على السيطرة عليها وزعزعة الاستقرار بشكل دائم يسهلان إعادة ترسيم الحدود السياسية (والإدارية) لا الحدود الجغرافية، والحالتان الأبرز في الشرق الأوسط، هما: “حزب الله” في لبنان، و”حماس” في قطاع غزة.
والحدث الثاني الأهم، بعد إعلان داعش الخلافة وقع بين الضفة الغربية في فلسطين والفرافرة في صحراء مصر الغربية مرورا بغزة.
فقد ظهرت جماعة تدعى “أنصار الدولة الإسلامية في القدس” وأعلنت مسؤوليتها عن خطف وقتل الشباب الإسرائيليين الثلاثة الذين عثر على جثثهم مؤخرا في الضفة الغربية، وكنوع من التموية قالت الجماعة إنها “هدية للخليفة الجديد”!وتزامن ذلك مع هجوم خلية تابعة لداعش على كمين داخل العمق الاستراتيجي للصحراء الغربية المصرية (الفرافرة) وقتل 21 جنديا مصريا بعد تفجير مخزن للأسلحة، وكنوع من التضليل تم ترك “علم القاعدة” الأسود!