عودة المخلص

كان رئيس جمهورية العراق جلال طالباني أو(عم جلال) كما يسميه الأكراد، قد آلى على نفسه أن يقوم بدور الأب المصلح المتفاني لحل الأزمات المتواصلة التي تعصف بالبلاد، والحفاظ على العملية السياسية المتعثرة ما أمكنه، متخطيا دوره البروتوكولي المحدود كرئيس جمهورية، وظن لوهلة أنه يستطيع أن يتغلب على هذه المشاكل الكبيرة بروحه المرحة وشخصيته الكاريزمية المؤثرة وتجربته الطويلة في العمل السياسي وعلاقاته الجيدة مع الأطراف السياسية المتصارعة ولكنه كان خاطئا، فالمشاكل السياسية المعقدة التي بدأت تتفاقم أكثر فاكثر وتضيق الخناق على العراقيين والتناحرات الطائفية والعرقية العميقة بينهم كانت أكبر بكثير من طاقاته الجسمانية التي بدأت تضعف وتتأثر بالزمن والعمر الذي بلغ أرذله، فكان لا بد أن يسقط قبل أن يكمل مشواره، وعلى إثره نقل إلى ألمانيا لتلقي العلاج وبقي هناك لأكثر من سنة ونصف، في تعتيم إعلامي شديد، وتكتم حتى على أقرب أنصاره في الحزب الذي تزعمه لعقود، وظل غيابه لفترة طويلة لغزا محيرا، لا أحد يعرف عنه شيئا..
والكثيرون تساءلوا؛ من وراء هذا التعتيم الإعلامي و لماذا؟ ومن هو المستفيد من غيابه ومن من مصلحته تفاقم الصراع الداخلي العراقي؟ برأيي أن أطرافا سياسية داخلية وخارجية كثيرة استفادت من غيابه؛ وعلى رأس هذه الأطراف، إيران، فكلما توترت الأوضاع في العراق وازدادت الخلافات والنزاعات بين الفرقاء السياسيين، تحكمت أكثر بمفاصل الدولة وازدادت سيطرتها عليها، وأي محاولة من قبل طالباني أو غيره لتخفيف التوتر القائم وحل الخلافات بين الأطراف المتصارعة، لن تصب في مصلحتها، وعلى الرغم من العلاقة القوية التي تربط «طالباني» بحكام طهران منذ الثمانينات من القرن الماضي، ولكن غيابه صب لمصلحتهم بصورة مباشرة..
والمستفيد الآخر من غياب طالباني هو الأحزاب الشيعية العراقية المتنفذة، وخاصة حزب الدعوة الحاكم الذي يقوده «نوري المالكي» الذي انتقلت إليه كل سلطات وصلاحيات الرئيس من خلال نائبه «خضير الخزاعي» أحد قياديي الحزب المذكور، باعتباره نائبا لرئيس الجمهورية، وقد استغل «الخزاعي» فرصة غياب رئيسه فتولى المصادقة على سلسلة أحكام إعدام لمعارضي السنة بتهمة الإرهاب، كان «طالباني» قد رفض المصادقة عليها رفضا قاطعا كونه عضوا في منظمة الاشتراكية الدولية، تعهد بمناهضة إصدار أحكام الإعدام.. وكذلك الأمر بالنسبة للحزبين الكرديين الديمقراطي الكردستاني وحركة التغيير المعارضة التي حلت محل حزب طالباني في الانتخابات البرلمانية التي أجريت في 21 سبتمبر الماضي وأحرزت المرتبة الثانية، وأخذت مكانها في رئاسة البرلمان الكردي، بينما تراجع دور حزب رئيس الجمهورية وأصبح ثالث قوة سياسية في الإقليم بعد أن كان القوة الثانية، وخلال مدة غيابه، ظهر غريمه القديم وشريكه في الحكم منذ 1992 عند أول تشكيلة حكومية كردية، زعيم الحزب الديمقراطي المنافس ورئيس إقليم كوردستان «مسعود بارزاني» كزعيم قومي أوحد في الساحة الكردية، تولى الإشراف على السياسة العامة للإقليم من دون منافس حقيقي، وقام بإصدار قرارات استراتيجية وعلى رأسها تصدير النفط الكردي إلى الخارج عن طريق تركيا بمنأى عن موافقة الحكومة العراقية وبسط سيطرته على مدينة كركوك وحقولها النفطية الكبيرة وضخ النفط منها عبر خطوط الأنابيب التي تمتد في أراضيه، وضم الأراضي المتنازع عليها إلى الإقليم وإعلانه أن المادة 140 الدستورية التي تعالج هذه القضية التاريخية والتي ظلت عالقة بين بغداد وأربيل منذ 2005 قد انتهت.. وقد تكون جهات كثيرة استفادت من غياب الرئيس ولكن من المؤكد أن ثمة جهات أخرى أيضا تضررت من غيابه، فالعراقيون بالتأكيد فقدوا صوتا مخلصا وطنيا، حاول لم شملهم وحل مشاكلهم، وكذلك تعرض حزبه إلى انتكاسات سياسية، وفقد جزءا كبيرا من شعبيته.. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه لماذا عاد أو أعيد «طالباني» في هذا التوقيت بالذات؟ والعراق مهدد بالتقسيم والتشظي، وقد سيطر ثوار السنة وتنظيم «داعش» على نصف البلاد، والأكراد تمددوا إلى الجزء الشمالي الشرقي وضموه إلى إقليمهم.. والشيعة أعلنوا النفير العام، وحمل السلاح والذهاب إلى ساحات القتال.. وسط هذه الفوضى العارمة، استبشر الكثيرون بقدوم «طالباني» ورأوا فيه المنقذ لمشاكل البلاد، البعض منهم رأى أن عودته ستسهم في تشكيل الحكومة الجديدة، والبعض الآخر وجد أن حضوره سيقلل من حالة التوتر القائمة بين بغداد وأربيل، الكل ينتظر منه حل المشاكل العراقية العميقة، وهي مشاكل تحتاج إلى معجزة حقيقية، وهذه المعجزة من المؤكد لا توجد لدى «طالباني» الذي يحتاج نفسه إلى معجزة ليشفى ويقوم من مقعده..