"الطريق إلى مكة"!

الباحث عن نفسه أولاً هو من يصل من أقصر الطرق إلى معرفة ما حوله..
كانت خطوات على رمال الصحراء الدافئة الجافة بعثت في جسدك صاحبها الإحساس بالحياة.. أنعشت رغبته في الاستمرار في السير والمضي قدمًا.. ولو قفل الماشي راجعًا فلن يجد أثرًا لقدميه على الرمل.. فحياة الصحراء كما أفعاها وصقورها وصخورها تظل في حراك محموم.. دائم مثل دوران الأرض وجريان الشمس وتنقّل القمر بين منازله.
في عالم ينمو بسرعة لا يكاد يدركها العقل.. وفي رحلة البحث والاكتشاف، أنت مهيّأ لأن تُصدم وتُحبط، مثلما يبهرك العثور على حقيقة الكون الذي له خالق وفاطر.. صنع كل شيء وأوجد كل شيء بمقدار وميعاد..
من هذه النقطة استطاع ليوبولد فايس (محمد أسد) أن يتعرّف على المعنى الحقيقي للحضارة، وبقدّم من خلال الإيمان بالله والكتب والرسل أنموذجًا راقيًا للتسامح.. في مجتمع إنساني «متشرذم».. طحنته حروب العرق واللون والجنس.. قسا على إنسانية الإنسان وآدميته ـ شطرًا بطرًا ـ فحصد سجلًا حافلًا من البطش والقهر!
وأعجب لهذه القيمة التي يمثلها المفكر الكبير الأستاذ محمد أسد وقصة حياته الحافلة بحب البحث والاكتشاف.. كانت دوافعه تغريه ـ مرة بعد مرّة ـ بمزيد من المخاطر لأنّ شغفه بمعرفة نفسه كان دائمًا هو المحرّك لأن يضرب، هذا الأوروبي المنعّم، في صحراء مترامية الأطراف كثيرة المخاطر، تصفر في جنبات نهارها الريح وتعوي في ليلها الذئاب.. ويستحق الوصول إلى أول بيت وأطهر بيت في الدنيا قاطبة، كل هذا العناء بكل مشوقات التجربة والاكتشاف، ليكون ثمن هذا الإنجاز الثقافي الكبير (الطريق إلى مكة)!