هل يمكن أن يكون زواج القاصرات عملا أخلاقيا؟

مضى على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان نحو ستة وستين عاما حيث عمدت الدول المنتصرة إلى صياغة للحقوق التي يجب أن يتمتع بها كل إنسان ليحيى حياة كريمة، من دون أن يكون لسؤال المركزية الغربية في تعريف تلك الحقوق حظه الكافي من التمحيص
ولعل آخر التطورات التي أعادت بث الروح في هذه القنبلة الكامنة كان الربيع العربي الذي مضى على انطلاق شرارته نحو ثلاثة أعوام
من وجهة نظري، أهم الأسئلة التي بثت من خلال أحداث الربيع العربي كان سؤال شمولية وكونية الحقوق الفردية والقيم الديموقراطية والحرية السياسية ونحو ذلك
حيث تؤخذ كثير من هذه القيم كمسلمات كونية دون أن تتعرض أسسها ومقدماتها لتحقيق كاف حول ما يجعلها قيما شمولية يجب أن يتمتع بها كل إنسان
فالغالبية العظمى من الأطروحات الأكاديمية والسياسية تُسلم بوصفها قيما كونية تعلو على الزمان والمكان، ومن ثم فموضوع تلك الأطروحات متعلق بالاعتبارات العملية للوصول إلى تلك الغايات وتحقيق تلك القيم على أرض الواقع
ولكننا نجد طرحا مقابلا لم يحظ بنصيبه من الشعبية يعتمد على المركزية الغربية لهذا النمط من التفكير، وعلى صعوبة تعميم هذه القيم لتصبح قيما شمولية لتعارضها مع سُلم القيم في ثقافات ومجتمعات أخرى
بمعنى أنه من الصعب افتراض أن سُلّم القيم الذي ترعاه الدول الغربية هو سُلم متوائم مع الإنسان في كل مكان نظرا للاختلاف الكبير -الذي يكاد يُسلم بوجوده الجميع- بين الثقافات والمجتمعات
وعندها لا يبقى أمامنا سوى التعامل مع قيم محلية هنا وهناك وسلالم قيم مختلفة
هذه النظرة تعتبر الطرف المقابل لنظرة القيم الكونية
فقيمة الجماعة على سبيل المثال قد تعتبر قيمة محلية ذات أهمية كبيرة عند كثير من المجتمعات الشرقية كالهندية والصينية والعربية، ولكنها ليست قيمة كونية حيث الكثير من المجتمعات الغربية لا ترى الجماعة بنفس منظار المجتمعات الشرقية بل ربما لديها قيمة الفرد أعلى
التحدي الذي يقودنا إليه هذا التمييز هو في التبرير الأخلاقي الذي يستند إلى هذه القيم
فإلى أي حد يمكن أن نؤسس لتبرير أخلاقي كوني للممارسات التي تنبثق من قيم مجتمع ما فيما هي تعتبر منبوذة عند مجتمع آخر؟ ولكي يكون لهذا الكلام معنى لنأخذ قيمة حرية الفرد على سبيل المثال
ما هو المستند الذي نستند إليه حينما نزعم أن قيمة الفرد يجب أن تكون قيمة منشودة يجب أن يتمتع بها كل إنسان وندين على هذا الأساس ممارسات مجتمعات أخرى في انتهاك هذه القيمة؟ خصوصا حينما يكون انتهاك هذه القيمة على أساس تعارضها مع قيمة أسمى لديهم -ولتكن قيمة الجماعة
في ورقة منشورة في مايو 2011 بالمجلة العالمية لعلم النفس، استعرض الباحثون الثلاثة عددا متنوعا من دراسات التبرير الأخلاقي Moral Reasoning والتي تستند على عينات ذات خلفيات مختلفة جغرافيا واقتصاديا واجتماعيا وعمريا
أغلبية الدراسات كانت تستند على سرد حالات يومية افتراضية لأفراد العينة ومن ثم يُسألون عن مدى قبولهم لهذا الفعل كفعل أخلاقي
أظهرت هذه الورقة وجود اختلافات معيارية واضحة -مرتبطة بشكل ما بخلفية العينة وليست اختلافات عشوائية- في اعتبار المقبول أخلاقيا من سواه
ولنذكر على سبيل المثال إحدى الدراسات التي تظهر تأثير المعلومات السياقيّة على الحكم الأخلاقي حيث سُئلت مجموعة من البالغين الهنديين والكنديين فيما إذا كان على شخص ما سرقة تذكرة القطار من جاكيت أحد الركاب لكي يحضر حفل زواج أعز صديق له وإعطائه خاتم الزواج
أجابت العينة الهندية بغالبية عظمى أنه يجب عليه فعل ذلك فيما أجابت غالبية العينة الكندية بالعكس
وقد لا تتسع المساحة للتفصيل ومناقشة خلفيات هذا المثال العابر، إلا أن هذا المثال لا يعكس أثر المعلومات السياقية فحسب - والتي تجعل حكمنا الأخلاقي يختلف من حالة إلى أخرى- بل يعكس الأثر العميق الذي تلعبه الثقافة والتنشئة الاجتماعية في تشكيل معاييرنا الأخلاقية
هل يمكن على ضوء ما قلناه الوصول إلى أخلاقيات كونية -مبنية على مقدمات شاملة كذلك- بحيث لا تتعارض مع الثقافات المحلية؟ اقترح العديد من العلماء مثل لورنس كولبرج ومارك هوسر، وجود مستوى كوني - شامل لكل إنسان- من التبرير أو النمو الأخلاقي
ولكن هذا المستوى لا يتناول التأثيرات الاجتماعية المكتسبة بالاعتبار بما يجعل الإجابة بالإيجاب عن السؤال بعيدة المنال
وبالمقابل نجد أن هذا الافتراض تقوم عليه المواثيق العالمية والدولية خصوصا تلك المتعلقة بالقيم والحقوق، إذ لا عبرة من كتابة ميثاق دولي لحقوق الإنسان إذا كانت كل القيم الأخلاقية نسبية لا تحظى بنصيبها من الإجماع
هذا الحديث يتركنا أمام عدد من الأسئلة المفتوحة خصوصا في عالم مفتوح على بعضه بشكل لم يحصل من قبل
فإلى أي حد يمكن للفرد أن يحترم قيم ثقافته دون أن يرى شموليتها وإطلاقها؟ وإلى أي حد يمكن للسلطات المركزية أن تسهم في تعريف قيم الحق والواجب والخير دون أن تستخدم هذه القيم كمبررات لقتل الأبرياء أو ارتكاب جرائم شنيعة؟اختتم الباحثون تلك المراجعة الطويلة بانتقاد المركزية الغربية للأبحاث التي تبحث التبرير الأخلاقي، سواء مركزية الباحثين أنفسهم أو المركزية في اختيار العينة
ولكي يقدموا مثالا عمليا أشاروا إلى أن الدوافع الدينية بشتى أشكالها لا تجد الحضور الكافي في الأبحاث العلمية مع أن أولى وأقدم الوثائق الأخلاقية كالوصايا العشر هي معتقدات دينية أصيلة وكذلك قيمة الواجب التي تعتبر ركنا أساسيا في العقائد الهندية
ونستطيع بكل ثقة أن نسقط هذا الانتقاد على كافة المعاهدات والمواثيق والمؤسسات الدولية المتعلقة بالحقوق