(العقوق).. خللٌ في التربية يكرّسه انفتاح الفضاء
السبت، ١٩ يوليو ٢٠١٤
ثلاثة حوادث مفجعة ومؤلمة تناقلتها الصحف خلال الأسبوع المنصرم تمثل صورا من عقوق الوالدين، بل تتجاوز العقوق إلى التجرد من الإنسانية، وغياب العقل، وانعدام الضمير والرحمة، ونكران الجميل، الأولى شهدتها محافظة صامطة إذ اعترض شابان طريق (والدهما) عند خروجه لأداء صلاة الفجر وأوسعاه ضربا بـ (الحديد) في رأسه وسائر جسده حتى دخلَ في غيبوبة وفقدَ إحدى عينيه، والسبب كما يقول الخبر: (مشكلة مالية)، والثانية شهدتها محافظة ينبع وراح ضحيتها (ستيني) لم تشفع له تجاعيد وجهه أمام ابن تجرد من آدميته ووصفه الخبر بأنه يعاني من أمراض نفسية، أما الثالثة فقد حدثت في محافظة طريب وراحت ضحيتها (مسنة) لم يكتف قاتلها الذي حدبت عليه، وسهرت الليالي من أجله برصاصة واحدة بل أمطرها بثلاث رصاصات قاتلات، وحسب الخبر اتضح أن الجاني من أرباب السوابق، تلك ثلاثة حوادث وربما أن هناك غيرها لم تصل إليها الصحافة، ومثل هذه الجرائم لم نكن نقرأ أو نسمع بحدوثها في مجتمعنا، صحيح أننا لسنا مجتمعا ملائكيا، وأن الخير والشر يتدافعان إلى قيام الساعة، وأن الأجل مقدّر ومحتوم، لكننا أيضا مجتمع مسلم ومحافظ، والأسرة فيه تمثل البناء الأساس، عكس ما هو لدى غيرنا من الأمم التي لا تعترف بالتكوين الأسري، فكلٌ مسؤول عن نفسه عند بلوغ سن معينة، أريد أن أقول إن مثل هذه الجرائم لم تكن تحدث في بلدنا وبهذه الصورة البعيدة كل البعد عن تعاليم ديننا الحنيف، وإن حدثت صور من عقوق الوالدين، فهي لا تصل إلى هذا الحد الدموي الذي يجهز فيه (ابن)على (أبيه) أو (أمه) مهما كانت الأسباب والدوافع، بل إنه حتى من يكون يعاني (مرضا) فإن استحضار مراقبة الله تعالى تردعه عن أي فعل أو أذى يريد أن يلحقه بوالديه أو أحدهما، الأمر الذي يشير إلى أن هذه الجرائم وأمثالها تنذر بخلل في التربية، يجب أن نعترف به، وأن نتوقف عنده، لنبحث أسبابه ونحاول أن نوجد لها الحلول، سواء داخل الأسرة نفسها أو في مؤسساتنا التربوية، وجامعاتنا، ومراكزنا البحثية، ومساجدنا، أو في الفضاء الإعلامي، ووسائل الاتصال الحديثة التي أغرقت المجتمع بثقافة يتغلب فيها الغث على السمين والضار على النافع، وفي ظني أن الانفتاح على عديد من الممارسات شرقا وغربا مما لا يقيم للوالدين والأسرة وزنا، واطلاع الشباب على تلك الثقافات، وما يدور فيها من مناظر العنف وارتكاب الجرائم مما لا يرضاه الدين، ولا تقره المجتمعات السويّة، كل ذلك أفرز حدوث مثل هذه الجرائم وغيرها، وجعل الشباب تتخطّفه الأيدي، وينساق وراء كل ناعق، أو تسوّل له نفسه ارتكاب الجرائم، لأنه استساغها في تلك المناظر التي يشاهدها صباح مساء، وفي اعتقادي أن الجانب الكبير من المسؤولية تجاه تحصين الشباب تتحمله الأسرة أولا، فالشاب على ما نشأ ورُبّي عليه، وكذلك مؤسسات التربية التي يجب أن تعمل على توازن الكفة بل تغلّب جانب التربية على التعليم، والتربية هنا معنى شامل يقوّم السلوك، ويعمل على بناء جيل صالح يقف عند حدود الله، فالمسؤولية كبيرة ومشتركة تمثلها عدة حلقات، وتتقاسمها عدة جهات، والمستهدف هو الجيل الذي هو عماد البناء، والأسرة التي هي أساس المجتمع.