بعد العراق وسوريا داعش تخطط لضم الأردن ولبنان بورقة الاضطهاد الطائفي
السبت، ١٩ يوليو ٢٠١٤
في العاشر من يوليو 2014 سقطت الموصل ثاني أكبر مدن العراق وعاصمة محافظة نينوى في يد المنظمة السلفية الجهادية تنظيم الدولة الإسلامية في العراق المعروف باسم (داعش).
صدمت واشنطن وبغداد بسقوط الموصل وبسيطرة داعش على معظم المدن ذات الأغلبية السنية.
مع ذلك، وضعت قيادات الدولتين عدة احتمالات لكيفية التعامل مع هذا التهديد المتزايد للمنطقة والاستقرار الدولي.
ولكن أضاف هذا مزيدا من سوء الفهم عن داعش ومستقبلها العسكري وبرنامجها السياسي الديني للشرق الأوسط.
تلك مقدمة المقال الذي كتبه البروفيسور روبرت رابيل أستاذ العلوم السياسية وأستاذ شرفي في الشؤون الحالية في جامعة فلوريدا أتلانتك، ومؤلف كتاب السلفية القادمة للبنان، ونشره على موقع National Interest الالكتروني الأربعاء الماضي.
مهارة عسكرية
وقال رابيل، تمكنت داعش من تحقيق ما فشلت القاعدة في القيام به.
فقد أعادت تسمية نفسها بـ “الدولة الإسلامية” معلنة تأسيس دولة الخلافة في العراق وسوريا، ونصبت زعيمها أبابكر البغدادي خليفة لها.
وتظهر قيادتها المتمثلة في البغدادي (الخليفة إبراهيم)، مهارة داعش العسكرية وبراعتها في استغلال الأيديولوجية الدينية.
فقد حلت محل تنظيم القاعدة كنموذج لمنظمة سلفية جهادية، وإذا لم تهزم في بداية مرحلتها التأسيسية فإنها لن تغير فقط من الخريطة الجغرافية السياسية للشرق الأوسط فحسب، بل ستشكل خطرا على الغرب والشرق الأوسط بنشرها للفكر الجهادي السلفي.
الجذور الأيديولوجية
ووفقا لرابيل، يمكن تعقب جذور داعش الأيديولوجية إلى جماعة التوحيد والجهاد، التي أسسها الأردني أبومصعب الزرقاوي في التسعينيات من القرن الماضي.
وفي 2004، بايع الزرقاوي زعيم القاعدة الراحل أسامة بن لادن وغير اسم تنظيمه إلى تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين، الذي اشتهر لاحقا بتنظيم الدولة الإسلامية في العراق.
وفي 2006، قتلت القوات الأمريكية الزرقاوي، كما قتل في 2010 خلفاؤه أبوحمزة المهاجر وأبوعمر البغدادي، ومن ثم عين أبوبكر البغدادي كقائد للتنظيم.
شراسة البغداديمن ناحية المبدأ والعقيدةـ تعتنق القاعدة في العراق أيديولوجية سلفية جهادية، تشابه تلك السلفية التي تعتنقها القاعدة، فيما تسعى القاعدة في العراق لنفس هدف تنظيم بن لادن، وهو تأسيس دولة الخلافة.
لكن في الممارسة، لا تتفق قاعدة العراق في كيفية تأسيس الخلافة مع بقية المنظمات السلفية، خاصة القاعدة الأم.
في بادئ الأمر لم يتفق تنظيم القاعدة مع تصرفات الزرقاوي التي تسببت في إزهاق الأرواح وإلحاق أضرار جسيمة في الطرفين السني والشيعي.
حيث كانت خطة الزرقاوي في خضم النزاع أن يشن حربا جهادية على الشيعة، لأنه ووفقا له، يبدأ التغيير الجذري في العراق من الشيعة.
كنتيجة لذلك لام أيمن الظواهري، الزعيم الحالي للقاعدة، الزرقاوي على تنفير الكثير من العراقيين من التنظيم وبالتالي قلل ذلك من دور القاعدة في العراق.
ويقال إن الزورقاي قام بتدريب البغدادي وشاركه وجهة نظره ورؤيته عن الشيعة، وأن حماسه للتصرفات الدموية ما هو إلا وسيلة لتطبيق الأيديولوجية السلفية الجهادية وتأسيس الخلافة.
وساهمت شهرة البغدادي كقائد شرس وعسكري استراتيجي وتلقيه للدكتوراه في القانون الإسلامي من جامعة بغداد الإسلامية والأقاويل عن انتمائه القرشي في جعله مقربا من الجيل الجديد من الجهاديين السفليين.
عوامل النهوض
تسببت العوامل الاجتماعية والسياسية والإقليمية في نهوض تنظيم الدولة الإسلامية في العراق.
مثلا، اتبعت قيادة رئيس الوزراء العراقي المنتهية ولايته، نوري المالكي سياسة طائفية، لم تقتصر على استعداء السنة بل قامت أيضا باستبعادهم من التشكيلة السياسية.
كما تم اعتقال وطرد جماعة الصحوة من قراهم (والصحوة مجموعة من شيوخ القبائل وأتباعهم دعمتهم الولايات المتحدة لطرد القاعدة من مجتمعهم في منتصف 2000).
حتى الساسة السنة، مثل نائب الرئيس العراقي طارق الهاشمي تم الحكم عليه بالإعدام غيابيا.
وكنتيجة لسخط القادة البعثيين من استبعادهم من الجيش، أعادوا تنظيم أنفسهم في صفوف جيش رجال الطريقة النقشبندية.
منظمة عسكرية
قامت القاعدة في العراق تحت قيادة البغدادي بالتحالف مع المنظمة الجهادية السلفية جبهة النصرة في 2011.
وكان قائد النصرة أبومحمد الجولاني يدير عملياته تحت لواء القاعدة في العراق، حتى أسس تنظيمه الخاص في 2011 وتعهد وقتها بالولاء للقاعدة.
عمليا، ركزت القاعدة في العراق على إعادة تعزيز وتوسيع منطقة عملياتها في سوريا أكثر من تركيزها على محاربة النظام البعثي السوري.
وبعد أن تأكدت قاعدة العراق بقيادة البغدادي من تواجدها العسكري في سوريا، أعلنت انضمامها مع جبهة النصرة تحت مسمى الدولة الإسلامية في العراق وسوريا (داعش) في 2013.
ولم يستمر هذا لمدة طويلة، حيث تحرك البغدادي ضد رغبات القاعدة الأم، فارضا سلطته على الأراضي المتجاورة من حدود سوريا والعراق وعلى المناطق الجيوستراتيجية في العراق كمقاطعتي الأنبار ونينوى.
وأشير إلى هذه الحركات الاستراتيجية كحملة ذات مراحل من أجل السيطرة على المناطق الجيوستراتيجية في العراق وسوريا هدفها خلق دولة تمتد عبر حدود الدولتين.
وكشف تحليل تقرير أصدرته داعش غطى الفترة ما بين نوفمبر 2012 ونوفمبر 2013 أعدته منظمة دراسات الحرب، أن داعش لديها قيادة عسكرية منضبطة خططت لحملة تتم على مراحل من انتزاع العراق من يد قوات الأمن العراقية.
دولة الخلافة
وبمجرد ما سيطرت داعش على أراضي عراقية وسورية متصلة، أعلنت أواخر يونيو الماضي تأسيس الخلافة، وسمت نفسها بالدولة الإسلامية ونصبت البغدادي خليفة لها.
وتم نشر البيان الذي سمي بـ”وعد الله” على حساب صفحة “الاعتصام” في توتير، وهي الذراع الإعلامية لداعش.
رسالة الخليفة
بعد وقت قصير بداية شهر رمضان الحالي، أصدر البغدادي إلى المجاهدين والأمة الإسلامية رسالته التي تشبه خطاب بن لادن للأمة بعد أحداث 11 من سبتمبر 2001، حيث قسم العالم إلى فريقين، فريق الإسلام والإيمان وفريق الكفر والنفاق، مرتديا عباءة الخليفة لاستعادة المجد للإسلام وأمته.
شقاق السلفيين
على الرغم من أن الرسالة أثارت ردودا مختلفة، لكنها كشفت عن وجود شقاق بين السلفيين والشيوخ الإسلاميين، خاصة في طرف السلفيين الجهاديين من القاعدة، وأظهرت نهوض الدولة الإسلامية كراية جديدة للجهاديين.
فقد سارعت تنظيمات من شمال إفريقيا كتنظيم أنصار الشريعة والقاعدة في بلاد المغرب التي يقودها أبوعبدالله عثمان العاصمي، وجيش الصحابة في سوريا، في المبايعة والتعهد بالولاء لأمير المؤمنين الخليفة إبراهيم.
وكشف أيضا تأسيس الدولة الإسلامية ورسالة البغدادي عن جيل شاب جديد من المثقفين الجهاديين يبتعد عن أيديولوجية القاعدة التي يمثلها الظواهري وأبوقتادة الفلسطيني.
فقد بشر أبوهمام بكر بن عبدالعزيز الأثري بتأسيس الخلافة، واعترف بالبغدادي كخليفة للمسلمين.
يذكر أن الأثري كان تلميذا لمنظر السلفية الجهادية أبومحمد المقدسي، والذي عينه كمستشار على موقع المقدسي، منابر التوحيد والجهاد.
الاستقطاب بالغنائم
توازيا مع هذه المحاولة الأيديلوجية التي تهدف لتقديس الدولة الإسلامية وقائدها، ساعدت العملية الاجتماعية والسياسية في لبنان، الأردن، العراق، وسوريا في زيادة تأثير وشعبية الدولة الإسلامية هناك.
بينما تسبب سياسات المالكي في استبعاد السنة بالعراق، أدت الحرب الطائفية في سوريا إلى تعزيز الانتماء الطائفي بين سنة سوريا على مبادئ الايديولوجية السلفية الجهادية.
ومالت بعض القبائل في الأردن والعراق وسوريا للدولة الإسلامية مقابل منافع اقتصادية وسياسية.
فذكرت بعض التقرير أن الدولة الإسلامية التي تتحكم في معظم مصافي النفط في سوريا منحت الحق لشيوخ القبائل هناك في شراء برميل النفط الواحد بمبلغ 12 دولارا فقط.
من جهة أخرى، تزايد نمو السلفية الجهادية في الأردن وسوريا منذ التسعينات.
ولم يكن هذا بمحض الصدفة، فمؤسس القاعدة في العراق جاء من مدينة الزرقاء السلفية في الأردن.
حتمية التصدي
لا ينبغي على الولايات المتحدة والمجتمع الدولي ادعاء الذهول والصدمة إذ ما تمكنت الدولة الإسلامية من توسيع مناطق سيطرتها في سوريا والعراق، واتجهت إلى خلق الدمار والفوضى في لبنان والأردن.
فمن التاريخ الإسلامي يتعلم الشخص أنه يجب أن يقلق حيال ما تقوم به الدولة الإسلامية من استقطاب سياسي وطائفي في كل من لبنان والأردن ومحاولتها في نشر فكرها وتأييد العامة لها عن طريق القيام بأعمال العنف في الشرق الأوسط والغرب.
يجب على المجتمع الدولي أن يدرك حقيقة أن الدولة الإسلامية منقادة بصيغ دينية لتطبيق الايديولوجية السلفية التي تحارب كل الأنظمة الأخرى، فكل يوم يمر على الدولة الإسلامية يجعل من الصعب جدا هزيمتها.