الليالي الأخيرة
السبت، ١٩ يوليو ٢٠١٤
كما بدأ رمضان سريعا ها هو يوشك أن يودعنا، ومثل ما كنا ندعو الله أن يبلغنا رمضان قبل أيام، فها نحن نشاهد هذه الأيام المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها يدعون الله أن يتقبل منهم صيامهم وقيامهم قبل أن يودعوا رمضان.
في الليالي الأخيرة من رمضان كان نبينا الكريم، صلى الله عليه وسلم، يحرص على العبادة أكثر من أول الشهر، ولذلك وصفت عائشة، رضي الله عنها، فعله بقولها «كان إذا دخل العشر شدّ مئزره وأحيا ليله وأيقظ أهله»، وهو كناية عن العمل الدؤوب وزيادة الجهد، كما يقال شمر عن ساعد الجدّ. منذ ذلك العهد النبوي وما زالت الليالي الأخيرة من رمضان تشكل مشهدا فريدا في الذاكرة الإسلامية، ففيها يقبل المسلمون على المساجد حتى الصباح، وفيها تسمع أنين الدعاء وصدق الرجاء من المتعبدين، وفيها ترى خطوط الدموع وهي تسيل على وجنات الألوف من المصلين.
وفي هذه العشر يظهر نمط جميل من العبادة يسمى الاعتكاف، وهو لزوم المسجد طوال العشر الأواخر من رمضان والانقطاع عن الناس وترك كثير من الملذات والشهوات المباحة ليلا أو نهارا. ومن حكمة الله تعالى أن جعل للناس مواسم يخلون فيها بربهم ويعيدون تقييم أنفسهم وحياتهم، ويراجعون حساباتهم مع الخلق والخالق، فشرع الله الاعتكاف لحكم عظيمة، منها تصفية النفوس والخلوة بالله وتحري ليلة القدر، وقد اعتكف النبي، صلى الله عليه وسلم، في أول العشر من رمضان، واعتكف في العشر الوسطى، ثم كان آخر الأمر منه الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان. كانت مظاهر اعتكاف رسولنا الكريم صارمة، فكان يضرب له قبة أو خيمة في المسجد ولم يكن يخرج منها إلا للصلاة ولم يكن يذهب لبيته مع أن بيته لا يبعد عن المسجد سوى خطوات، واعتزل معاشرة الزوجات وترك كثيراً من الأمور مثل عيادة المرضى واتباع الجنائز وتفرغ لربه ومحاسبة نفسه طوال الوقت، فهو يصلي مع الجماعة ثم يعود لمعتكفه، صلى الله عليه وسلم، منقطعاً للتعبد والتبتل، وكان أهله يقومون أحياناً بزيارته في فترات متقطعة، فيسمع منهم ويتحدث معهم قليلاً ثم ينصرفون عنه ويبقى هو في المسجد ملازماً له.
مع اختلاف الحضارة الدنيوية فربما يعتكف الكثيرون وهواتفهم لا تهدأ من الرنين أو الحديث بها وربما يعتكف الكثيرون وهم يتابعون أخبار حوادث الأرض ونوازل العالم من الحروب والفتن والقيل والقال التي تذهب صفاء الوحدة ولذة الهدوء النفسي، وربما يعتكفون وهم يظنون أن مجرد لزوم المسجد هو مقصود الشريعة، وهو خطأ ظاهر لا بد أن يعيدوا النظر فيه، فالاعتكاف شرع لمقاصد عظيمة يطول شرحها.
تزدان العشر الأواخر من رمضان بضيفها الكبير «ليلة القدر» وهي الليلة العظيمة التي تكون العبادة فيها خيرا من عبادة ألف شهر، تلك الليلة ينتظرها العبّاد والمصلون بشغف وتلهف ويترقبونها بحماس شديد وقد استعدوا بأنواع الأدعية والأماني التي يرفعونها إلى ربهم، ليلة القدر هي تلك الليلة التي كان نبينا يتحرى موعدها، وكانت هي الكنز المخفي الذي يتسابق أصحاب الهمم لنيله وإدراكه، في ليلة القدر تتنزل الرحمات من السماء أضعافا مضاعفة، وكان من المفترض أن يخبر النبي، صلى الله عليه وسلم، عن موعدها تحديداً لأمته وقد خرج ليخبرهم بذلك فعلاً ولكن ثمّة مشكلة وخصومة حصلت بين بعض الناس أمام رسول الله فرفع الله علمها وموعدها، فأمر رسولنا أن نلتمسها في العشر الأواخر، وهذه القصة تأخذنا لحديث جانبي وهو شؤم الخصومة والمشاكل على الأمة، فكم حرم المسلمون من خير بسبب تلك المشاكل والخصومة.
عزيزي القارئ هذه هي عشر رمضان تتسارع في مشيها، تودعنا ولا ندري هل سنشهد رمضاناً آخر أو يكون هذا آخر المواسم الفاضلة لنا، والسعيد حقاً من أقبل على ربه وتذكر أن الدنيا فانية وأن صلاح النفس وضبط سلوكها مطلب مهم، وأن ذلك هو الهدف من الصيام عموماً، لقوله تعالى «لعلكم تتقون». فإذا وجدنا أننا لم نحصل التقوى في رمضان ولم يتغير سلوكنا فلنراجع أنفسنا بصدق ونبحث عن أسباب الخلل في أنفسنا وداخل ذواتنا.