قوائم التلفزيون

وليست القوائم المقصودة هنا للوقوف، ولا للجري، ولكنها تستخدم للتقييد. فيحكون في قنوات العجب المرئية، بعد كان يا ما كان، في حاضر البث والإرسال، عن تلفزيون سعودي يكتنفه الغموض، وتدور حوله الحكايا وتلتف الأشواك، وتحتضر القصص، وتذوب الألوان، وتشيع العجائب، وينثني الظلال، فلا أحد يعرف له باباً مشرعاً، ولا نافذة دانية، ولا يعرف من سيكون موعوداً بدخوله اليوم، ولا من سيخرج منه على قائمتين ليحكي بالخوافي.
فتُختلق القصص، وتتضخم الأساطير، ولا يستطيع أي فارس عنتري أن يدنو من سور حيرته، إلا من نال من الحظ سلالم وحبالا وشبكة، أو أن يكون ممن عشقته بنت السلطان اللامعة الفضية، ورمت له من حيرة شباك ضفائرها ليرتقي المستحيل ويكون المحظي، ولو إلى حين.
تلفزيون ليس ككل الحصون، فلا يعرف الفارس متى يكون مرضياً عنه فيه، ولا متى تتقطع به حبال التسلق الموهومة على جذع الضفيرة المسحورة.
كل من أراد الاقتراب من عالمه الغريب، القديم، المسحور، لا بد أن يسأل أولاً عن القوائم!
وقوائم المنع كثيرة وتتبدل، وبعضها حقيقي، ولكن الأغلب منها لا نعرف هل نسميه وهماً، أم أنه غاية في الوهم يقع بفعل فاعل مزاجي لا يظهر له جبهة، ولا أنف ولا شفة.
كل من يتقدم ليطلب يد الفضية، لا بد أن يخضع لمحتوى القوائم الطويلة، والقوائم مطموسة، لا حبر فيها ولا قلم، بل إن كل من في التلفزيون ينكرون وجودها، وينكرون معرفتهم بها، ولا بمن يكتبها، ولا بمن يغيرها أو يمحوها، فيستمر الهمس بالأسرار!
هذا الفارس الأخضر المدجج بالدروع اليوم ممنوع من الدخول للتلفزيون، ولكن من منعه؟ ولماذا تم منعه؟؛ هل سبب ذلك قصيدة الهجاء التي رددها؟ أم لأنه يلقي قصائده بطريقة مبتكرة لا تتحملها قوالب الماضي، حين يسرد الأبيات الحرة وهو منتصب فوق غصن الشجرة الضخم، الذي يجتمع تحته السمار ليسهروا ويختصموا؟. أم لأن قائمة المنع الخفية تحتويه؟
وتدور أقداح الينسون والنعناع والزنجبيل، ويكمل الراوي روايته، التي لا أول لها ولا آخر، تلك الرواية الحماسية الغامضة، والتي تشد الجالسين بحبال السعف على كراسي المقهى الخشبية، وتفتح أجفانهم بعصارة البُن حتى تكاد أعينهم تبتلع أوراق الراوي.
فمن هو الجديد، الذي سيقوم بالمغامرة القادمة، ويحاول الدخول إلى أروقة التلفزيون ضيفاً، وهل ستعجب ذات الضفائر بما سيسرده على مسامعها، أم أنه سيُرمى به من أقرب نافذة، فيجد نفسه غارقاً في عمق البحيرة الضحلة، يصارع أسنان التماسيح، وأسنان البوابة تُقفل ضاحكة في وجه فارس غشيم جديد؟
التلفزيون طلاسم متجددة، وقوائم مثبتة أو منفية، ولكنا كفرسان نظل نناضل ونتأمل أن يبرأ يوماً من أمراضه المتعددة، وأن يتخلص من القوائم السرية، وأن يعامل مفكري الوطن بعدالة، وأن يسمح للضياء الحر بأن يفكفك الجدائل العتيقة المسحورة.