من طرائف الرقيب!
الأربعاء، ١٦ يوليو ٢٠١٤
والرقيب المقصود في العنوان هو (جديّة، الرسمي) في الإعلام، ففي هذا الشهر الكريم سيتقبّل – بالتأكيد- المشاكسة بأريحية، وهو الذي نذر عمره حارساً على أداة النقد كي لا تكون حادة فتجرح وتُحرج، ولا أخاله اليوم إلا متسامحاً مبتسما، وهو نادراً ما يفعل ذلك، على الأقل في صورته الذهنية لدى الكاتب، فهو – كما يتخيله الكاتب – ذو بشرة تميل إلى السُمرة، يخيّل لك أن نظّارته السميكة جداً قد وُلدت معه، وعندما يجلس في مكتبه الذي يشكّل تعريفاً دقيقاً لجملة (غاية في الفوضى) حيث تحيط به أوراق وقصاصات ملوّنة، وقد يواصل الكلام معك لساعة دون أن يرفع رأسه عن الأوراق التي تحيط به، رغم أنه يصنّف كل كلام غير مكتوب بمجرد ثرثرة، طبعاً هذه الصورة المتخيلة ليست بالضرورة صادقة، بل وصادمة عندما تواجه أنيقاً حيوياً متدفقاً مثل (معزبنا) الأستاذ خالد الأنشاصي، رغم أنني لا أعرف أسوأ حظاً من شاعر امتهن الرقابة!
لعل من أطرف مواقف الرقيب ما ذكره أستاذنا الفنان ناصر القصبي عن مشهد درامي رفض الرقيب إجازته، والسبب ليس لرداءة الفكرة، أو أنها تجاوزت الخطوط الحمراء، إنما لمشهد طبيب شعبي يقول لمريض السكّر: (خذ كأس نمل حيّ على الريق كي يمتص السكّر في جسمك وتطيب)، الرقيب رفض المشهد بحجّة (أن الناس ممكن تصدّق)!، بالطبع الرقيب كان يتكلّم بكل جديّة، وبهذا أصبح لدينا مشهدان غارقان في الكوميديا أحدهما، ورفض الرقيب إجازته، ومشهد الرقيب وهو يبرر، والأخير أجزم أن الفنان لن يُجيزه ولن يعرضه على الرقيب ولو من باب (بيدي لا بيد عمرو)!
ومن الطرائف أيضاً ما حصل معي عند نشر مجموعتي الأولى، ولا أدري هل اعترافي هذا سيعتبر دليل إدانة للتحايل على جهة رسمية أم لا، لكنني أرويه الآن للتاريخ فقط، الرقابة في ذلك الوقت رفضت فسح المجموعة مع اعتذار لطيف رغم أنه لا يبرر سبب الرفض، حاولت أن أعرف السبب، لكنني قُوبلت بابتسامات لا لون لها، ولأن الرفض أتى من فرع في إحدى المناطق، قررت أن أذهب للمنبع، أي للرياض، هناك واجهت مشكلة أُخرى، فالكتاب مسجّل آلياً في بيانات الوزارة وأمامه تتربع كلمة «الرفض» بكل أريحية، وهذا سبب كافٍ بألا يُنظر له مرة أُخرى، وبعد وجبة إحباط هائلة الحُلكة قررت ألا أغادر إلا بعد أن أستنفد جميل الحِيل الممكنة، ولأن الرفض هذه المرة أتى لأن عنوان الكتاب تم رفضه سالفاً، قفزت في ذهني فكرة شيطانية، وهي أن أستبدل عنوان الكتاب فقط، واخترت عنوانا أدق ما يُقال عنه أنه «مُر»، وهذا طبيعي قياساً بالحالة النفسية التي كنت أفكر تحت وطأتها، المُهم أن الكتاب مر بسلاسة مدهشة، ولم يحز سوى على خطّين أحمرين عند جملتين لا تؤثران في النص، وبالطبع أزلتهما بفرح، وكنت على استعداد أن أحذف النصين كاملين في سبيل أن يمّر البقية.. وفُسح الكتاب، والآن لا أدري هل أنا مُدان بالاعتذار لهم، أم أنهم مدينون بالاعتذار لي، إن كانت الأخيرة فأنا أقبل اعتذارهم بالتأكيد بشرط (ما يعودونها)!
كأنني تجرأت قليلاً؟
إذن فلننتقل لطرفة رواها الدكتور عبدالسلام الوايل (أستاذ اجتماعيات العلوم والمعرفة بجامعة الملك سعود) عن قصة تحكي عن نظام مراقبة المطبوعات في الدولة العثمانية، حيث يمنع ذلك النظام استخدام كلمات مثل (ثورة ومظاهرات وقلب حكم وشغب.. وكلمات أًخرى من هذا القبيل)، فحصل أنه قامت الثورة الروسية ضد القياصرة، فكتبت جريدة تركية عن الخبر، فلما ذهب الخبر للرقيب شطب كلمات (ثورة، وشغب، وتظاهرات، والاحتجاجات، وسقوط القيصر..)، فذاب الخبر الأصلي، وظهر الخبر في اليوم التالي بصيغته التالية (خناقةٌ أمس في روسيا)!
انتهت المساحة.. ولنا لقاء (غريب)!