في الصميم
الأربعاء، ١٦ يوليو ٢٠١٤
..»المرأة بدأت تنفلت في بلاد الحرمين/ ما أشوف أحد يسولف في هذي القضية إلا أنا/ هناك حملة تغريب في بلاد الحرمين/ هناك ضغوط تمارس على بلادنا من دول أجنبية/ الشيخ الغيث يمثل تيارا تغريبيا/.. من يبتعث ابنته أو زوجته للخارج ديوث/ الرياضة البدنية في مدارس البنات تؤدي للدعارة../ قرأت التاريخ/ قانون منع التحرش مدعاة للزنا/ المرأة / الحجاب/ التغريب/ المفسد الأكبر/ جزيرة العرب/ مشاركة المرأة في مجلس الشورى دون أبواب مستقلة وسواتر حرام/ يجوز للرجل التحرش بزوجته.. ايش المشكلة؟/ قاضي الضرار، وعضو شورى الضرار، وأستاذ الضرار..».
وبعد: أجل أنظاركم عما سلف مما قرأتم، مما لا يسع المقام لحشو سياقاته النصية، وإن جاء مبتوراً، فغير خافٍ معناه..وهو أهون ما تحدَّث به (أحدهم) غيرةً على شرع الله ومحارمه، وذلك غيض من فيض مرّ.. رجَّ جموده واستنطق ضحالته المذيع المبدع عبدالله المديفر عبر حوار متلفز(في الصميم). وقد أراد الأخير أن ينشر تجليات وفكر ذلك الضيف، ويستظهر معطيات وركائز خطابه ودعواه، عسى أن يجد المشاهد مرجعية أو دوافع تحترم، أو يستبين مسلكا ابتغى صاحبه غاية نبيلة؛ فضلَّ السبيل إليها! كما حاول المديفر جرَّ ضيفه إلى فضاء حواري يمكن أن تُستشف منه أطروحات أو أفكار لم يحسن صاحبها عرضها؛ غير أنه باء هو ومشاهدوه بما تقدم استهلال المقالة به بين القوسين. ثم حاول المديفر مستميتاً إسناد وهن منطق ضيفه بالسجال وصراط الأسئلة العف القويم؛ فإذا بالضيف يؤكد انتماءه إلى منطق من لا يرى وطنه ودولته؛ إلا بلاد الحرمين، وجزيرة العرب، وغير خاف على فطنتكم، عند من تشيع هذه اللوازم والنعوت، وإلى أي فكر تنتمي؟ وإلى أية غايات ترمي؟
وما انفك الضيف الغيور يخلط الحابل بالنابل، والظلم بالظلمات.. وكلما شدَّ المديفر حاجبيه وزمَّ شفتيه نكراناً، وصدمة من تفوهات الضيف؛ أوغل الضيف بالتبرم عجزاً، وضيقاً باندحار حجته وضآلتها، منتهياً إلى مأزق تعبير مظلم:(ليس أنت من يحكُم.. إنه قذف. القضاء هو من يحكم/أنا أقول التاريخ.. هذا ليس كلامي.. والضرار ومرادفاتها، لا أقصد بها أحد؟؟) وكأنه قد استفاق من سلطان غفلة سكنت لها جوارحه برهة؛ فجبن عن إسناد النقائص- إلى من أراد وصمه بها- وهو الشيخ الجليل الدكتور عيسى الغيث.
وعلى قوافي ذلك الإيقاع ومتواليات ذلك المعجم الصدئ، عكَّر الضيف مساء رمضانيا طاهرا، نستحين في دفئه ساعة نكون فيها إلى الله أقرب، ومن قاب لحظة إنابة يطهر الله فيها حواسنا وضمائرنا وبلادنا من سَفَهٍ فاضح، واجتراح الجرأة على عباد الله وعلى الوطن، واستسهال قذف الناس والاجتراء السافر على حرماتهم.
أما مناط حنقه وشعواء حديثه على الدكتور الغيث، أنَّ الغيث عدَّ الخارجين على أنظمة الدولة واختصاص أجهزتها الرسمية (خوارج)، والغيث ليس نكرة أو أفاقا، يفتقر إلى مشروعية تقدمه أو تحميه، فتسلل إلى مصادرة حريات الناس والتلبيس عليهم عبر خيوط الشبكة ودهاليزها، ليتخفف من جهله وضآلة تأثيره، ممتطياً شهوة النجومية والتطلع إلى ادعاء النضال في الدعوة عبرها؛ ولم تعرِّيه يوماً أسئلةٌ بينة؛ لينكشف جهله وضغائن نفسه تجاه الحياة والأحياء والحياء، فتساقط ذاوياً إزاء فصل خطاب ومواجهة بالمنطق؛ بل متخصص بالعلم الشرعي، وأستاذ في مؤسسة علمية محترمة، ورأيه يستند إلى ضوابط وقياسات وشواهد واستدلالات وأصول علمية شرعية معتبرة. ويمنحه ذلك حق إبداء رأيه وعرض رؤيته، وتوعية الناس ونقاش الطارئ والدخيل في أمر من أمورهم، وتبيان الرأي الشرعي حوله، بحسب ما يعتقده، ويطمئن إليه ضميره. ولم يكن يوماً فاحشاً ولا بذيئاً، حتى وإن مسَّه من الفحش والبذاءة ما مسَّه من ترهات الأدعياء والمدعين، ولأنه اتخذ موقع العالِم وسمته من دنية لفظ ضيف المديفر، فبات الغيث كما الناس والمجتمع والوطن مرمى لسهام استباحت خطيئة تجريم الناس وقذفهم واستباحة شؤونهم الخاصة.
أما إسقاط الوصف الوضيع الكريه (الدياثة) على المستجيبين لإرادة خادم الحرمين الشريفين، ومشروعه الإصلاحي الوطني: الابتعاث؛ فثمة جهات بإمكانها مقاضاة المُسقِط، وإن أمِنَ اكتراث تلك الجهات، فالله سبحانه وتعالى أحكم وأعدل، وعنده تجتمع الخصوم.
وأما من استمرأ وصف مجتمعه بصفة هي في الدرك الأسفل من السوء والترخص، فلم يعد يخفى، إلى أية ظلمات يريد ذاك وأشباهه وصانعوه ومشايعوه جرَّنا إليها. وإذا كان الوطن يواجه منذ سنين خشونة فعل أساطين الفكر الضال، وأضراسهم القابضة على جمر الخطايا، وكراهية الحياة وإدانة الوطن؛ فإن فضاء فكر الضيف ليس ببعيد عن منبتهم، ومنطلقاته شبيهة بشرانق كياناتهم الصماء، تثمر شظايا سوداء، وسوء نية مضمرا. وحسبنا الله ونعم الوكيل.