التعليم العالي: جامعة طيبة لا تكفي!

يصفها البعض بعاصفة سنوية تهب في كل صيفية، تطيح بالتطلعات، وتنسف الطموحات، تلكم هي باختصار عملية القبول في الجامعات. وسأركز حديثي اليوم على جامعة طيبة، والتي جاءت بعد طول انتظار من أهالي طيبة، وتعتبر الوحيدة (على اعتبار أن الجامعة الإسلامية لا تقبل سوى ما نسبته 15% فقط من الطلاب السعوديين من مجموع طلابها).
المتقدمون بحسب المصادر فاق عددهم هذا العام 73500، والمقبولون نحو أربعة عشر ألفا (أقل من 20%)، وهو ما يؤكد حاجة منطقة المدينة المنورة لأكثر من جامعة، فلا يمكن لجامعة وحيدة أن تستوعب هذا العدد الكبير من خريجي المنطقة، وخاصة أن بقية المناطق قد حظيت بجامعات في المحافظات كمنطقة مكة المكرمة والرياض وغيرهما.
ومع الإشادة بالإجراءات المتخذة حديثا في عملية التقديم من خلال الموقع الالكتروني أولا ثم تقديم الأوراق للجامعة عن طريق البريد السعودي (الذي أثبت مقدرته الفائقة في السلاسة والتيسير على المتقدمين)، إلا أن عملية تسكين الطلاب في التخصصات المطلوبة تحتاج لمزيد من التأمل وإعادة النظر.
والملاحظ أن نسبة ليست باليسيرة يتم قبولهم في تخصصات لا يرغبونها، وهذا أمر خطير ينذر بشر مستطير؛ فالتخصص يجب أن يوافق رغبة لدى الطالب ومحبة فطرية؛ لكي يبدع فيه ويصبح مبرزا، أما وضع الخريج في تخصص لا يرغبه ولا تميل إليه نفسه، فإنه من البدهي ألا يعرف سبيلا للإنتاجية فضلا عن الإبداع والابتكار. كما أن من يتخرج من السنة التحضيرية لا يُحسب له منها إلا نسبة 70%، ويتم الرجوع لنسبته الموزونة في الثانوية ليؤخذ منها 30%، في إجراء كان محل اندهاش الكثيرين! ويبدو أننا نعيش أزمة ثقة في مخرجاتنا التعليمية وربما في النظم التعليمية سواء في التربية والتعليم (ولذا أتوا باختبارات ممحصة) أو في التعليم العالي (فلا يؤخذ إلا قرابة الثلثين من النتيجة!).
وبالإضافة إلى أن تكالب «القدرات» و»التحصيلي» على الخريجين قد أسهما بشكل واضح في تقليص الفرص، وزادا من الإطاحة بآمالهم، فإن مما أثار تعجب الكثيرين هو فرض الاختبار التحصيلي على القسم الأدبي، واشتراط ذلك على البنات دون البنين، في إجراء غير مبرر مطلقا!
وبالعودة لتهيئة خريجي المرحلة الثانوية فإن المفترض وجود مكاتب أو على الأقل إقامة دورات مكثفة لتعريفهم بالجامعات وما تحويه من تخصصات وما تقدمه من امتيازات، وحينها يخرج الطالب بتصور كامل، فيقدم أوراقه لجامعة محددة وتخصص بعينه، لكن واقعنا يقول إن طلاب وطالبات الثانوية يخرجون بدون أي توجه، فهم هائمون يسألون ويستفسرون، ولا توجد لديهم المعلومات الكافية عن الجامعات والكليات!
ومما يزيد الأمر سوءا ما يطرق مسامعهم بين الفينة والأخرى بما يُسمى «حاجة سوق العمل»، والمضحك المبكي أنهم لا يعرفون هذه الحاجة، إذ لا يعلن عنها بشكل واضح، ناهيك عن أنهم في الواقع يرون بعض أقاربهم لم يجدوا وظيفة أو عملا، وبطبيعة الحال هم لا يرغبون مطلقا أن يكون لهم ذات المصير!
إن وزارة التربية والتعليم أوجدت نظام المقررات، وفيه يبذل الطالب والطالبة جهدا خارقا، والمعدل فيه تراكمي منذ الفصل الأول من السنة الأولى وحتى التخرج، مما يعني أن الخريج إنما كان يعيش حالة من المثابرة، ولم يحصل على ذلك التقدير والمعدل عبثا، ولا أدري كيف تقبل الوزارة أن تُنسف جهودها بمثل هذه الاختبارات؟ ثم أليس بالإمكان استثناء خريجي نظام المقررات من هذين الاختبارين؟
وفي نهاية المشهد نجد طلابنا وقد دب إلى نفوسهم شيء من الإحباط وباتوا لا يعيرون الدراسة ذلك الاهتمام، مما يعني أن القدرات والتحصيلي انعكسا سلبا على نفسيات الدارسين، وحتى أولئك المتحسبين لها بالدورات لم يفلحوا، فما السبيل للخروج من هذا المأزق؟ (أرجو الحصول على إجابة من القائمين على المركز الوطني للقياس والتقويم).
إن المرجو هو الخروج بمخرجات قوية ذات مكنون علمي رصين، وجيل يتميز بجودة التعلم والتعليم بحيث نضمن - كما هو معلن في نظام المقررات - أن يكون الخريج متعلّما ومعلّما في ذات الوقت، وحينها نراهن عليه، ولا نحتاج لمن يأتي ليثبت لنا الصحة أو العكس.
فهل يأتي اليوم الذي تتحقق لكل خريج رغبته ليرضي طموحه وينفع وطنه ومجتمعه؟!
والأهم: هل نرى قريبا جامعات جديدة في محافظات منطقة المدينة، وقد أثبتت الأيام أن جامعة طيبة وحدها لا تكفي؟!