الدروس الطالبانية في السماحة الدينية!
الاثنين، ١٤ يوليو ٢٠١٤
«التطهرية الدينية هي الزي التنكري المفضل للشيطان!»
(المؤرخ الديني ميرتشا إلياده)
أطلقت جماعة طالبان الأفغانية أخيرا عبر صفحتها الالكترونية نداء للأمة الإسلامية هذا هو النص الحرفي لأهم ما جاء فيه بحسب ما نقلته وكالة رويترز الإخبارية:
«على المسلمين أن يجتنبوا الغلو في الدين والحكم على الآخرين بدون بينة وألا يسيئوا الظن فيما بينهم ولا يستمعوا للاتهامات والترهات الجوفاء فإن بعض الظن إثم ولا بد من السعي لتوحيد الصف وجمع الكلمة وأن تقدم مصلحة الأمة على مصلحة الفرد وأن يتجنب الخلاف والنزاع ولا تسفه آراء الآخرين وتشاع الرحمة والرأفة بين المسلمين».
.. وهو كلام جميل، لكنه يدعو للتأمل، وخصوصا حين نعرف بعضا من الفظائع التي ارتكبتها طالبان في أفغانستان وباكستان خلال العقدين الماضيين..
فالتاريخ الأسود لطالبان – التي تدعو الأمة الآن للرحمة وتجنب الغلو في الدين - لا يقتصر على تحريم التعليم المدني وحظر تعليم النساء وتشغيلهن وتدمير التراث الإنساني للحضارات الأخرى والتحالف مع تنظيم القاعدة الدموي والقيام بعمليات بلا حصر قتل فيها مدنيون كثيرون قتلا عمديا لمجرد الاشتباه في متانة التزامهم بأوامر الأمراء الطالبانيين ونواهيهم..
تاريخ طالبان الذي يقطر دما يتضمن أيضا:
* القيام بعملية خصي للرئيس الأفغاني نجيب الله في عام 1996 قبل إعدامه وتعليقه على شجرة، ثم ربطه إلى سيارة جيب وسحله في الشوارع.
* في عام 1998 ارتكبت قوات طالبان مجزرة ذبح فيها 600 من القرويين الأوزبك في غرب أفغانستان.
* في عام 1998 أيضا قامت قوات طالبان بعد احتلالها مدينة مزار الشريف، شمال غرب البلاد، بإعدام الأطفال واغتصاب النساء والفتيات ونهب المتاجر بعد قتل أصحابها.
* قيام طالبان في عام 2000 بقتل أسرى الحرب لديها.
* قيام قوات طالبان في عام 2001 بقصف مستشفى ومكتب لوكالة الإغاثة في ياكاولانغ.
...
دعوة طالبان للرحمة والسماحة والاعتدال تبدو لنا إذن متناقضة تمام التناقض مع سلوك الحركة الذي لا رحمة فيه ولا سماحة ولا اعتدال.. فكيف يمكننا فهم تلك الدعوة؟
نفهمها حين نعرف أنها موجهة لتنظيم آخر تراه طالبان مفرطا في القسوة والتشدد هو تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام المعروف اختصارا بـ(داعش)!
وهو الأمر الذي يعني أن مسار التشدد يتصاعد وأن عقول المتشددين تزداد انغلاقا بمضي الزمن.. فاللحظة الحضارية الإسلامية/العربية التي أنتجت طالبان والقاعدة قبل عشرين عاما قد انتهت الآن، لتفسح المجال للحظة حضارية إسلامية/عربية أخرى أشد تعاسة وضيقا تنتج لنا تنظيمات على يسار طالبان، تنظيمات تعتبرها طالبان متشددة أكثر مما ينبغي، بحيث تنصحها بتجنب الغلو في الدين وتوصيها بالرحمة!
وهذا هو المؤشر الأخطر على تدهور حالنا، مؤشر ينبغي له أن يدفع المسلمين جميعا دولا وأفرادا لأن يطرحوا على أنفسهم بشجاعة السؤال التالي:
لماذا تواصل مجتمعاتنا إفراز التشدد والمتشددين بوتيرة متصاعدة دون أن تفلح في إيقاف هذا التدهور ومحاولات إصلاح التعليم والإرشاد الديني والمناصحة..إلخ؟
وهل سيواصل بعضنا – نحن المسلمين - التشبث بنفس نفاقهم القديم الذي يجعل قلوبهم مع المتشددين بدعوى أنهم يدافعون عن الدين، بينما ألسنتهم وحدها تناصر السماحة والاعتدال؟
لم يعد من الممكن القبول بمقارعة تشدد بتشدد مضاد، فالنتيجة التي نصل إليها دائما هي تصاعد المساحة الكلية للتشدد مما يهدد وجودنا ذاته.
لم يعد من الممكن غض الطرف عن تعليم ديني يحقن العقول الغضة بسموم التشدد، ويضع شبابنا اليافعين على أول طريق يبدأ بطالبان والقاعدة وينتهي بداعش وجبهة النصرة..
على الدول أن تتدخل بكل ما لديها من إمكانات، وعلى المجتمعات أن تحشد كل طاقاتها لإيقاف هذا الانحطاط الحاد نحو المزيد من التشدد والعنف..
تتبقى ملاحظة أخيرة عن حالة تعيسة متكررة لا ينفرد بها المسلمون وحدهم، بل تنطبق على معظم أصحاب العقائد والديانات؛ إذ يفر بعض من المؤمنين الصالحين المخلصين في إيمانهم، يفرون من غواية الشيطان بالتشدد والغلو المطرد المتصاعد على أنفسهم وعلى أهلهم ومجتمعاتهم، فيبغّضون الناس في الدين، أكثر مما يفعل الشيطان نفسه!
على هؤلاء الذين يهربون من حبائل الشيطان فيلقون بأنفسهم في أحضانه أن ينتبهوا من غفلتهم، وأن يرحموا أنفسهم وأن يرحمونا من شيطانيتهم المتنكرة في ثياب القديسين الأطهار.