عكس الاتجاه

دأب عدد من الكتاب المنتسبين إلى الثقافة على استثارة غالبية المجتمع عبر مصادمتهم لمسلماتهم واللمز في منطلقاتهم والتهوين من شأنها والسخرية من بعض مظاهرها وآثارها فتجده مستصحبا لهذا المنهج في كتاباته زمنا طويلا وكثيرا ما تراه متوسلا لذلك بمهاجمة الشخصيات الرمزية الدالة على هذه القضايا والمرتبطة بها في الوعي المجتمعي سعيا منه لتغيير قناعات الناس أو التشويش عليها، وهو بهذا يعبر عن موقف فكري خاص به فهو يعمل على ترويجه، وربما جرى ذلك في أحيان كثيرة تبعا لحالة نفسية خاصة يعلم صاحبها قبل غيره أن استجابته لها وطروحاته المنبثقة عنها لن تغير من قناعة أحد ولن تستوقف متابعا عاقلا للتفكير فيها بجدية وهي في جوهرها ليست أكثر من تعبير عن أزمة شخصية يعيشها هذا الكاتب ولم يستطع لها كتمانا، ومن هؤلاء وهم كثر من ينطلق في هذا الاتجاه المعكوس استجابة لعشقه الجامح للأضواء والإثارة والشهرة والذكر بغض النظر عن طبيعة ما اشتهر به، ومع مرور الزمن يتأطر كثير من هؤلاء بصورة صارخة تحت مضمون معروف معتاد يمكنك مع ملاحظته مرارا أن تتوقع مواقفه من أي قضية جديدة بل يصل بك الحال إن كنت مداوما على قراءته أن تحدد مفرداته وجمله التي سيلقي بها في معرض الحديث عن حادثة أو قضية استجدت وليس مجرد مضمونها فحسب، وهي حالة من الانكشاف الفاضح ما دامت في السياق السلبي الذي أشرنا إليه، وسيكون هذا النوع من المواقف في أسوأ صورة على الإطلاق حين يكون متعلقا بالقضايا الساخنة المؤلمة التي لا تملك معها النفوس السوية إلا الألم والحسرة فتراه فيها ساخرا بمصائب الآخرين مستهينا بدمائهم وكرامتهم متجردا من حقوق الأخوة والولاء بل والمروءة والكرامة، حيث لا معنى في مثل هذه القضايا للتشدق بالعقلانية والحيادية حينما يكون ذلك على حساب المبادئ والهوية ومقتضيات العدل والكرامة الإنسانية، فضلا عن التأريخ والمنطق والواقع، كل ذلك ظهر مرارا وتكرارا من بعض الكتاب هداهم الله ولكنه كان أشد إيلاما هذه المرة حين تبدى للعلن مع العدوان الصهيوني الغاشم على أهلنا في غزة، وليت هذه الأقلام وقد عجزت عن نصرة الحق سكتت عن الفجور في الخصومة وعن تزييف الواقع وقلب الحقائق الظاهرة ولم تؤذ نفوسنا التي لم تعد تحتمل.