الصراع العربي الفارسي على الحوزة!

كان الشيعة منذ عصور متقدمة يرون أن أي سلطة قائمة هي بالضرورة سلطة ظالمة ومغتصبة لحق الإمام، وغالبا ما يقوم الفقهاء بالنيابة عن الإمام بمسائل اجتماعية واقتصادية كالخمس وغيره. كانت هذه النظرية السياسية لدى الفقهاء، أما غير الفقهاء فقد انخرطوا في السياسة وتسنموا المناصب في دولة بني العباس وأسسوا دولا كالبويهيين والحمدانيين والقرامطة...، حتى جاء الصفويون وأسسوا دولة ثيوقراطية اعتمدت المذهب كمرجعية للدولة، في تلك الفترة أصبحت إيران ذات الأغلبية السنية دولة شيعية بفعل سياسة الدولة، وأصبحت مركزا دينيا يفد إليه العلماء من جبل عامل بلبنان والنجف والأحساء، ومنذ تلك الفترة ازداد دور المرجعية الفارسية على الساحة الفقهية الشيعية. لكن ظلت حوزة النجف تتميز بقدسية المكان. وبفعل الاحتلال الصفوي للعراق توافد طلبة العلم من إيران للنجف واستوطن عدد من المرجعيات في النجف، ولاحظت بريطانيا نفوذ المرجعيات الفارسية في النجف وتأثيرها على سياستها بالعراق فأوعزت للملك فيصل بطرد المرجعيات الفارسية كونها تعارض فكرة الدولة القومية العربية. واستغلت بريطانيا عدم وجود مرجعية قوية مؤثرة بعد طرد المرجعيات الفارسية فشرعت بدفع الرشاوى لبعض المرجعيات العربية لتأييد الانتخابات. بعد عودة الاستقرار النسبي سمح فيصل بعودة المرجعيات بشرط الامتثال للقانون، إلا أن وجود مرجعية فارسية مقاطعة وأخرى عربية مهادنة أحدث نوعا من الحرب الباردة داخل الحوزة، ولا يعني هذا بداية الصراع العربي الفارسي على الحوزة، بل تمتد جذوره إلى الاحتلال الصفوي للعراق ومحاولة تهميش دور النجف لصالح قم. ومع دخول الإنجليز للعراق كانت هناك فتاوى تحرم الدخول في سلك الدولة، إلا أنه وبعد مهادنة فيصل أفتى السيد محمد حسين كاشف الغطاء بإلغاء الحظر للخروج من العزلة السياسية ولتحجيم نفوذ المرجعيات الفارسية. وحدث صراع علني عندما طلب السيد صالح الحلّي من أبي الحسن الأصفهاني تمويل بناء حسينية في العمارة فرفض الأصفهاني ولما خشي تعاظم النفقة أصدر فتوى يحرم فيها ممارسات عاشوراء فهاجمه الحلّي علانية فأصدر الأصفهاني فتوى بفسق الحلّي فانضم كاشف الغطاء معه واعتبر حكم الأصفهاني باطلا. وبعد ذهاب الأصفهاني للعلاج في إيران سرت شائعة في النجف بأن الأصفهاني أصيب بالجنون ومن الضرورة إيجاد مرجعية أخرى!
هذا الصراع الدائر بسبب محاولة المرجعية الفارسية الهيمنة على الحوزة بلغ أوجه بعد وفاة المجتهد الأكبر مرتضى الأنصاري (1864م) في حين لم يتمكن أي مجتهد من فرض نفسه كمجتهد أكبر يمثل المرجعية العليا للمذهب، وظل الصراع مستمرا بين المرجعيات الفارسية والعربية حتى تأسيس دولة الخميني الثيوقراطية والتي طالب الخميني إبان حكمه بنقل رفات الإمام علي إلى إيران
في محاولة منه لحسم الصراع!
وفي هذه الفترة صلّى السيد صادق الصدر(وهو فقيه عربي) أول جمعة في الكوفة وخطب خطبة ثورية مما زاد من توجس إيران والمرجع في النجف السيد الخوئي آنذاك. هذا الصراع ما زال محتدما بين أسرة الصدر وأسرة الحكيم والخوئي وبحر العلوم وفقهاء عرب مهمشين كالسيد الصرخي والسيد أحمد الحسني البغدادي. فبعد سقوط بغداد بيوم واحد اغتيل ابن المرجع السابق السيد الخوئي عبدالمجيد واتهم مقتدى الصدر باغتياله، وصدرت مذكرة توقيف بحق الصدر لكنها لم تنفذ إلى الآن. ومن المؤكد أن هذا الصراع سيتفجر بعد رحيل السيستاني لأن قائد الثورة السيد خامنئي لم يتم شروط الاجتهاد ولا يعد مرجعية أو مجتهدا أكبر. وهذا ما يجعل أمل إيران في إقامة دولة ثيوقراطية موالية لها في العراق ضعيفا لذا تعتمد على الأحزاب الدينية الحركية كحزب الدعوة. رحيل السيستاني له سلبيات وإيجابيات بالنسبة لإيران؛ فمن إيجابياته أن المرجعية العليا ستؤول إليها في أغلب الأحوال، لكن الأمر الإيجابي هو أن الساحة الدينية العراقية ستشهد صراعا بين فلولها وبين المرجعيات العربية وربما لن تستطيع فرض مرجع أكبر وموال لها في ذات الوقت، مما سيزيد المشهد تعقيدا سيما مع وجود مكونات أخرى. وهنا نلحظ بؤس المشروع الإيراني الذي يسعى لاحتكار السياسة من خلال الدين، في زمن تجاوز ذلك بمراحل.