أحمد جلبي .. المنبوذ الذي قد يصبح رئيس وزراء العراق القادم

إذا كانت هناك حاجة للتأكيد على تفكك العراق وفشل السياسة الأمريكية، فهي بالتأكيد عودة ظهور أحمد جلبي على المشهد السياسي العراقي. بعد أن كان شخصا غير مرغوب فيه في السفارة الأمريكية في العراق، تم الترحيب به في رحابها مرة أخرى، وأشارت صحيفة نيويورك تايمز أنه منافس جدي للحلول مكان نوري المالكي في رئاسة الحكومة العراقية، وأيده بول وولفوفيتز، وبعض الشرائح العراقية تعتبره المخلص. الولايات المتحدة تريد بديلا للمالكي، لكن هل يعقل أن يكون البديل هو الجلبي، الذي ليس لديه قاعدة شعبية في العراق؟ يقال إنه قادر على توحيد فصائل مختلفة، ولكنه هل هناك شخص حرض الفصائل على بعضها أكثر منه؟ الإجابة تعود إلى مهارة الجلبي في المناورة النخبوية. لم يكن الجلبي يهتم مطلقا ولا بارعا في السياسة الشمولية، لكنه ممتاز في لي الأذرع والتملق وراء الستار.
الجلبي سليل عائلة ثرية خسرت كل أملاكها بعد ثورة عبدالكريم قاسم في 1958. الأسرة اضطرت للهروب إلى المنفى. الجلبي يحاول بالتأكيد عكس الخسارة التاريخية، وهو يقف الآن في نقطة قريبة من حكم العراق.
بروز الجلبي بدأ بعد سيطرته على شركة ميبكو العائلية التجارية في لبنان في 1975، والتي استخدم مواردها أسس بنك بترا في 1977. الثروة التي جمعها أعطته الفرصة لإقامة علاقات سياسية قوية. أقام الجلبي روابط مع معهد أمريكان انتربرايز انستتيوت، ولجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، وصحفيين مؤثرين في الإعلام الأمريكي. وفي هذه الفترة أيضا تحالف الجلبي مع إيران لأنه رأى فيها قوة قادرة على الوقوف ضد البعث العراقي. ولكن بعد انهيار بنك بترا وتواري الجلبي عن الأنظار لتفادي المحاكمة، بدأ الجلبي في السعي أكثر لتحقيق طموحاته السياسية. خلال وجوده في لندن، أنشأ مشروعا تجاريا جديدا اسمه كارد تيك، لكنه كرس المزيد من وقته لإقامة علاقات مع معارضين عراقيين مؤثرين في المنفى.
أول تحالف رسمي أسسه الجلبي كان «لجنة العمل المشترك»، وهو مجموعة من المنفيين الذين أقاموا علاقات مع الولايات المتحدة وأقنعوها بمساعدتهم في الوصول إلى السلطة في العراق. الرئيس جورج بوش الأب صادق على برنامج وضعته وكالة الاستخبارات المركزية CIA لترتيب الإطاحة بصدام حسين، وقامت وكالة الاستخبارات المركزية بتجنيد الجلبي. بحلول عام 1993 كان الجلبي قد أسس المؤتمر الوطني العراقي بمساعدة شركة رندون للعلاقات العامة، وحصل على تمويل قدره 4 ملايين دولار سنويا، وحصل على رسالة دعم قوية للمؤتمر الوطني من نائب الرئيس الأمريكي آل جور.
لم تنجح خططه في تلك الفترة. حاول، بمساعدة عميل وكالة الاستخبارات المركزية بوب بير لإقناع الولايات المتحدة بدعم تمرد يحرض عليه حزبه ضد النظام العراقي على أن تتدخل القوات الأمريكية لإنهاء العمل. عوضا عن ذلك، اعتمدت الولايات المتحدة على إياد علاوي وحركة الوفاق الوطني العراقي التي أسسها. علاوة على ذلك، لم تكن الولايات المتحدة تثق بالجلبي بسبب علاقاته مع الاستخبارات الإيرانية ومحاولته تحريض القادة الأكراد على بعضهم البعض.
حتى تلك الانتكاسة كانت موقتة. بعد أن أهملته الإدارة، التفت إلى خصومها في المحافظين الجدد، مثل ريتشارد بيرل، وولفوفيتز، ودوج فيث. وكذلك اكتسب تأييدا على الساحة البريطانية، مثل عضوة البرلمان آن كلويد والأكاديمي كانان ماكيا. كما شن حملة في الإعلام الأمريكي لإقناع الشعب بأن حكومتهم خانت ثورة ديمقراطية حقيقية. قانون تحرير العراق في 1998، الذي خصص 2 مليون دولار لحزب الجلبي، كان نجاحا هاما لهذه الإستراتيجية.
وزارة الخارجية في إدارة بوش كانت أكثر كرما في تمويلها للجلبي، واستغل الجلبي علاقته بتلك الإدارة إلى أبعد حد، حيث قام بمساعدة بعض الصحفيين بنشر الأكاذيب حول أسلحة الدمار الشامل العراقية. شارك في التخطيط للعراق في فترة ما بعد الحرب، وأسس مليشيا خاصة به، لكنها لم تحقق أي نجاح على الأرض. تم تعيين الجلبي رئيسا للجنة اجتثاث البعث، وساعد في تعيين ابنه في البنك التجاري العراقي، والذي قام بدوره بمنح شركته البريطانية كارد تيك عقدا كبيرا، وجمع حلفاؤه ثروات ضخمة من مشاريع إعادة البناء. عندما فشل فشلا ذريعا في انتخابات عام 2005، ساعدته إدارة بوش على الحصول على منصب نائب رئيس الوزراء ووزير النفط بالوكالة.
لكن إدارة بوش لم تكن تثق بالجلبي بسبب سمعته المشبوهة في قضايا الاختلاس وعلاقته مع الاستخبارات الإيرانية. وعندما حاولت الإدارة الأمريكية كبحه، تحول لفترة قصيرة نحو التيار الصدري وقرر أن يعمل ضد الاحتلال الذي ساعد على جلبه إلى العراق.
الآن يبدو أن البيت الأبيض يحتاجه مرة أخرى. لكن أي حكومة يرأسها لن تدوم كثيرا على الأرجح. تفكير الولايات المتحدة في اللجوء إليه يبين مدى اليأس الذي وصلت إليه الإدارة الأمريكية.