مصاصة الحليب والدمية بنك أهداف إسرائيل في غـزة

كسيل من المطر تنحدر الدموع الساخنة على وجنتي الغزي عوني المصري وهو يراقب صغيرته مريم التي ترقد على سرير الإصابة تحيط بجسدها الغض الأسلاك والأجهزة من كل جانب.
ويود المصري (32 عاما) لو أن بإمكانه أن ينتزع نبضات قلبه ويمنحها لطفلته الوحيدة، مريم (9 أعوام)، التي أنجبها بعد أربع محاولات من عمليات الإخصاب المجهري.
ولا يريد المصري أن يفجع قلبه بخبر قد يتسبب بشلله أو موته، فمريم فراشة الدار، ونور أيامه، وما من لغة يستطيع المصري أن يتحدث بها للآخرين، سوى “الدموع” التي تترجم حرقته، وخوفه من أن تتحول طفلته إلى رقم جديد في قائمة ضحايا العدوان الإسرائيلي المتواصل على قطاع غزة.
ويقبل المصري الجبين الصغير المغطى بالشاش، كما يفعل عشرات أهالي الأطفال الذين يتسمرون أمام أقسام العناية المركزة في المستشفيات وقلوبهم تلهج بالدعاء، فيما عيونهم تبكي مصيرا مجهولا لأطفال يرقدون بين الحياة والموت.
وفي كل دقيقة تمر عليها تدخل نجية عريف في نوبة من النحيب الطويل حزنا على طفليها (محمد 12 عاما، وأمير 10 أعوام).
ومنذ رحيل الطفلين الأربعاء الماضي لا تقوى “نجية” كما تقول شقيقتها على الحراك، وتكتفي بالنداء على أمير ومحمد، والبكاء على غيابهما بعد أن رحلا في غارة إسرائيلية قرب منزلهما في حي الشجاعية شرق مدينة غزة.
وقبل الإفطار ودعت عائلة عريف طفليها تاركين في غرفتهما الدراجة والألعاب والدمى وتفاصيل كانت في انتظار أن تكبر معهم.
وتشن إسرائيل منذ بدء عمليتها العسكرية مساء الاثنين الماضي سلسلة غارات عنيفة ومكثفة على مختلف أنحاء قطاع غزة، تسببت بمقتل نحو 120 فلسطينيا وإصابة أكثر من 700 آخرين.
وتشير الإحصائية الأولية إلى مقتل 25 طفلا، معظم أعمارهم ما بين العام والخمسة أعوام.
ولم يعد أطفال غزة أمام هذه الدماء والمجازر يتحدثون إلا بلغة القصف، كما تؤكد والدة الطفلة نور جعرور.
وتتابع “باتوا يسألون بخوف: ماما هل سأموت؟ لقد سكن الرعب وجوههم، يرتجفون من أصوات القصف، ويتحولون إلى أرقام لا تحرك ساكن منظمات حقوق الإنسان الغربية”.
وحول القصف الإسرائيلي الطفلة رنيم عبد الغفور التي تبلغ من العمر عاما، إلى جثة محترقة، كما أنهت شظايا الطائرات الحربية أنفاس الطفل محمد ملكة (عام ونصف) من مدينة غزة.
وهذه القوة المميتة، كما يصفها رامي عبده رئيس المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان (منظمة حقوق إنسان أوروبية شرق أوسطية، مركزها جنيف بسويسرا)، تستهدف ضحكات الأطفال، وتغتال أحلامهم وأمنياتهم بمستقبل.
وقال عبده إن إسرائيل تتعمد ممارسة القتل المنظم بحق أطفال قطاع غزة دون أن تلقي بالا للعدالة ولا للمعايير الدولية.
وتساءل عن بنوك الأهداف التي تحققها إسرائيل في غزة، مؤكدا أن ما يجري جريمة ضد الإنسانية.
وتابع “هناك قتل جماعي يستهدف أطفال القطاع، العائلات تموت بأكملها، والقصف يطال الرضع، وألعابهم، وأحلامهم”.
ودعا عبده المؤسسات الحقوقية الدولية لحماية صغار وأطفال غزة مما ترتكبه القوات الإسرائيلية من انتهاكات متواصلة ترقى لجرائم الحرب والإبادة.
ويشكل الأطفال وفق إحصائيات مركز الإحصاء الفلسطيني نسبة 60 % من سكان قطاع غزة، يعاني 30 % منهم بحسب إحصاءات حقوقية أمراضاً نفسية متعددة، منها الخوف الشديد وأعراض الصدمة النفسية والعصبية جراء القصف الإسرائيلي المتواصل على مدينتهم.