أين المصحف؟

منذ بداية الإسلام ارتبط اسم رمضان بالقرآن الكريم، وقد جعل الله بداية نزول كتابه العظيم في رمضان، فقال تعالى «شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن»، وهذه الآية قاطعة في زمن النزول، فلا حجة لمن زعم خلاف ذلك ممن جعله في رجب أو ربيع.
وقد تواتر عمل الأمة الإسلامية على مزيد العناية بالقرآن الكريم في هذا الشهر اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، فقد كان جبريل عليه السلام يدارس نبينا صلى الله عليه وسلم القرآن في رمضان، كما ورد في الحديث المتفق عليه، وبين ابن عباس رضي الله عنه وقت هذا اللقاء أنه كان يدارسه القرآن في الليل.
وتميزت الأمة الإسلامية من دون أمم الأرض عبر العصور بالعناية الفائقة بحفظ القرآن في الصدور أو المصاحف، فبدأت كتابته وحفظه وتدارسه بعناية منذ عهد الصحابة الكرام، وتلقاه الصحابة من فم رسول الله مباشرة ونقلوه إلينا بدون زيادة أو نقص أو تحريف أو تبديل، فانتشر حفّاظ القرآن من الكبار والصغار والذكور والإناث. وعرفت الأمة عبر عصورها وأجيالها المتتابعة حفلات شعبية تقام فرحاً بحفظ القرآن الكريم، وهذه الحفلات ربما كانت كبرى على مستوى الدول أو مصغرة على مستوى الأفراد والعائلات.
وتنوعت العناية في عصرنا بالقرآن من قبل المسلمين على أنواع كثيرة: فهناك العناية بتلاوته، والعناية بحفظه، والعناية بطبعه ونشره، والعناية بتسجيله صوتياً من أفواه القراء المتقنين أو الأئمة الذين حسنت أصواتهم وأداؤهم، والعناية بترجمة تفسيره ونشره بلغات العالم، وغير ذلك من أنواع العناية به مما يدل على تمسك المسلمين بكتابهم وحرصهم عليه.
ومن رحمة الله بنا أنه لم يجعل القرآن عسيراً علينا بل يسره للذاكرين، وعندما يقرأ المؤمن القرآن الكريم يستشعر أمام عينيه الثواب الذي وعده رسول الله صلى الله عليه وسلم «من قرأ حرفا من كتاب الله فله حسنة والحسنة بعشر أمثالها»، فبمجرد قراءة المسلم للقرآن يحصل على ثواب الله وإن لم يكن يدرك المعاني، وهذا فضل عظيم. ولا شك أن معرفة الإنسان لما يقرأ ويتدبره ووقوفه عند الألفاظ والمعاني القرآنية أعظم وأرفع في الدرجات، ولكن فضل الله تعالى شمل الجميع. ولا شك أن قراءة القرآن بترتيل أفضل لقوله تعالى «ورتل القرآن ترتيلا». والترتيل لتعظيم هذا الكلام، ولكي يفرق الإنسان بين القرآن وكلام البشر العادي. ولا شك أيضاً أن قراءته مجوداً أفضل وأرفع، ولكل ثوابه عند ربه حسب نيته وقدرته وبذل وسعه وطاقته.
وقد جعل الله لقراءة القرآن فوائد حسية ومعنوية، فمنها أنه شفاء حسي يستشفى به، وهذا عن طريق الرقية الشرعية، ومنها أنه شفاء للقلوب والصدور من الشكوك والتساؤلات عن الكون والغيبيات والشرائع، ومنها أنه راحة للنفوس والأرواح، وبهذا حصّل المسلم عند تلاوته فوائد أخرى غير الحسنات التي كتبها الله.
وعندما نرى مساجدنا في رمضان تغص زواياها وأركانها بالناس ممن يحملون المصاحف لتلاوتها فنحن إذاً أمام ظاهرة صحية جميلة ومظهر إسلامي فريد يبعث على الفخر بالإسلام والشكر لله، فالمسلمون يقبلون على كتاب ربهم يبتغون ثواب الله، ولطالما رأينا الناس والأسر تحرص على المنافسة في ختم القرآن الكريم في رمضان سواء مرة أو مرتين أو ثلاثاً أو أكثر، فللنفوس في شهر رمضان حماس وإقبال ربما يضعف بعد رمضان، فكان رمضان موسماً مناسباً للجميع.
وقبل أن أختم هذه العجالة السريعة يخطر بذهني بيت شعري ظريف وقديم لشاعر وعالم توفي قبل ألف عام، دخل مدينة بغداد فتجاهله أهلها ولم يضيفوه أو يستقبلوه، فقال يصف حالته معهم: كأنني مصحف في بيت زنديق!!
فقد استقر في عرفهم أن بيوت الزنادقة فيها مصاحف ولكنها لا تقرأ، وإنما توضع للزينة أو لدفع التهمة والريبة عن الشخص، وإنما ذكرت هذا البيت لأن العبرة عند علماء السلف وشعرائهم ليست بوجود المصحف عند الشخص، بل العبرة هي بتلاوته وقراءته وتدبره
والعمل به.