معجزات الحوثي

يخلط الحوثيون الديني بالسياسي في كل ما يقومون به، يقولون إن ما حققوه حتى الساعة في اليمن من كوارث على المستوى الاجتماعي والاقتصادي والسياسي ما هو إلا نصر إلهي، يدل على عجيب قدرة الله في نصرة أوليائه الصالحين.
لا يتوانى أحد كتابهم الكبار، وهو بالمناسبة ذو نفس ليبرالي، عن أن يتخلى عن ليبراليته، لصالح ولائه السلالي لجماعة غيبية، تقوم على جملة من الأصول المنسوبة للدين، وما هي منه. يقول هذا الكاتب إن الله قد أيد أولياءه من «أنصار الله» الحوثيين بأعدائهم الأمريكيين، عندما سخر لهم الطائرات بدون طيار الأمريكية التي تقصف عناصر القاعدة، وتساعد أنصار الله في حربهم ضدها.
والتصريح على ما فيه من غرابة، إلا أنه يكشف عن طبيعة تلك المعجزات التي يتحدث عنها الحوثيون الذين يحاولون جهدهم التوسع شرقاً وغرباً وجنوباً، بعد أن نكثوا بكل العهود والاتفاقيات السياسية المبرمة مع الأطراف الأخرى.
كاتب آخر، ورئيس تحرير صحيفة تابعة لهم، يتحدث عن جانب من «المعجزات الإلهية» الكثيرة التي من الله بها على الحوثيين، ومنها معجزة انتقال أحد قياداتهم من «مُقوِّت»، أو بائع للقات في أحد أسواق صعدة، إلى منصب مستشار رئيس الجمهورية، يقصد صالح الصماد الذي عين مستشاراً لرئيس الجمهورية عن الحوثيين، وقبل هذه الوظيفة كان مجرد بائع لأوراق القات التي يتناولها اليمنيون على نحو واسع، في فترة ما بعد الظهر، وأما المعجزة الثانية فهي أن يصبح رجل هارب من سجن البحث الجنائي في صنعاء قائداً ميدانياً للحوثيين، وهو يقصد «أبو علي الحاكم»، القائد العسكري لهذه الجماعة، والذي وُضع اسمه مؤخراً على قائمة دولية وأمريكية بالمنع من السفر، وتجميد الأرصدة، نظراً لدوره المعطل للعملية السياسية في اليمن.
تكشف طبيعة المعجزات أعلاه طبيعة التفكير الديني والسياسي لهذه الحركة، التي تعد جسماً عسكرياً متضخماً بعقل سياسي متضائل. فالحوثيون يرددون دائماً الشعار الإيراني «الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل»، ويعدون طلعات الطائرات الأمريكية بدون طيار خرقاً للسيادة الوطنية، غير أن هذه الطلعات عندما استهدفت خصومهم من القاعدة ورجال القبائل، فإنها تحولت من خرق للسيادة الوطنية إلى معجزة إلهية. ثم إن تعيين «بائع القات» مستشاراً لرئيس الجمهورية، ينم عن حقيقة تدهور معايير التعيين في الوظيفة العامة لدى هذه الجماعة التي أصبحت تتحكم بالرئيس اليمني ليفعل لها ما تشاء، ويعطيها الغطاء السياسي اللازم، بعد أن أصبح في حكم «الإقامة الجبرية». وليس عيباً أن يكون شخص ما بائعاً للقات، ثم يعين في منصب كبير، غير أن عقلية «بائع القات» هذه لا تزال هي المسيطرة لدى المستشار صالح الصماد الذي قال يوماً إن الحجر والشجر يساعدان الحوثيين في قتالهم ضد أبناء قبائل محافظة البيضاء، في واحدة من المعجزات الكثيرة لهذه الجماعة التي ستسقط بالسرعة نفسها التي صعدت بها. أما أن يصبح مجرم فار من وجه العدالة في قضية جنائية قائداً عسكرياً لها، فهذا يعكس ضآلة المحتوى الأخلاقي لهذه الجماعة التي تتباهى بالقيم والأخلاق، التي يمتلك منها الحوثيون الكثير، ولكن على طريقتهم الخاصة.