أحب الإبل

أحب شخصيا منظر الإبل وصورتها وأخبارها، وأظن أنها من أعجب المخلوقات وأكثرها إثارة للتأمل وهو ما دلنا عليه ربنا جل وعلا في قوله تعالى (أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت) ولكنني أقف عند هذا الحد، وقد أتفهم عشق البعض لها وولعهم بتربيتها، ولكن الذي لم أتفهمه أبدا هو ما يجري الآن ونراه على شاشات بعض القنوات من تفاخر بها ومبالغة في شأنها وصولا إلى بيعها بأغلى الأثمان مما لا يدخل في حسابات المنطق أبدا، وما يحتفى بذلك من مخيمات ومسيرات وتجمعات وولائم ضخمة جدا تنفق فيها الأموال الطائلة وتهدر فيها الأوقات، وإذا رأيت مسيرات الإبل حين تساق بأفخم السيارات وبجموع راقصة بغير هدى فإنك ستأسى على حال هذا الفريق من الناس وهم يغادرون حالة الوعي الطبيعي إلى شيء آخر لا تدري ما تسميه.
إن من يرى هذه المشاهد في بعض القنوات سيشعر بالخجل لأن هذه الجهود وأولئك الشباب وهاتيك الأموال لم تذهب في تنمية ولا تطوير ولا علم، وسيحزن أيضا لأن هذه الصور ستعكس لمن يشاهدها في مشارق الأرض ومغاربها صورة سلبية جدا عن هذا المجتمع الذي أوصله غناه وبطره كما سيظنون إلى هذه الحال، وستكون هذه المشاهد معبرة عندهم عن مدى وعينا وثقافتنا ونهضتنا وبلادنا.
إن الاعتدال في كل الأمور هو الطريق الذي يحمي من السقطات والعثرات وإذا كان مبدأ العناية بالإبل صحيحا ومطلوبا فإن الذي يحدث الآن ليس من الاعتدال في شيء بل تحول بالإضافة لكل ما سبق إلى بوابة فتنة متصلة بالعنصر والقبيلة، وهو ما كاد المجتمع أن يتجاوزه لصالح الوحدة والتماسك والانشغال بالبناء.
ومن هنا فإني أتمنى أن تنتهي هذه الحالة وأن تصرف الجهود في المفيد النافع وألا نسمح لأنفسنا بالعودة إلى الوراء في أي سياق، وإذا كانت هذه الخاطرة جاءت بلغة عامة فإن مقام التفصيل وليس هذا مكانه سيكشف بلا ريب عما تتضمنه الممارسات الحالية من مخالفات شرعية وما تورثه من آفات اجتماعية وأمنية وما تمثله من هدر اقتصادي مما يستوجب وقفة جادة حقا.