بعيداً عن العاطفة.. من قتل الكساسبة؟
الأحد، ٨ فبراير ٢٠١٥
عندما أعلن تنظيم داعش أنه أعدم الطيار الأردني معاذ الكساسبة بطريقة الحرق، وتناقلت مواقع متطرفة فيديو للطريقة البشعة، وحمل الشريط عنوان «شفاء الصدور»! كتبتُ في تويتر وقت إعلان الخبر أن هؤلاء -الدواعش- تجاوزوا رسامي الكاريكاتير في الإساءة للإسلام، وانهالت بعدها الردود بين الشتيمة والتقريع، ليس من مؤيدي داعش، فهؤلاء مجرد إمعات تكتب بمعرفات وهمية، ترفض أن تحاور ولا تملك سوى مفردات قذرة وتخوين وتكفير، لكن الأمر الذي استوقفني هو التطرف المضاد - إن صحّت التسمية - من أسماء معروفة تعترف أن داعش هي تنظيم متطرف مجرم، وهذا -برأيي- لا يتفق عليه عاقلان، لكن التطرف عندما نتجاوز صفة الإرهاب والإجرام ونقول إنهم لا علاقة لهم بالإسلام، فكون داعش تكفّر الجميع إلا من هاجر للدولة الإسلامية، ونقابلها نحن بالقول إن الدواعش كفّار ولا علاقة لهم بالإسلام ولا أدبياته فسنكون وقتها نواجه التطرف بتطرف آخر، ولأن الحديث حول قضية حرق الشهيد معاذ الكساسبة، فلن أتطرق للكثير من الأعمال البشعة التي تمارسها داعش متكئة فيها على أقوال من كتب التراث، وإنما سأقتصر بالحديث حول قضية الحرق، وحيث إن الجميع استشهد بالحديث (لا يعذب بالنار إلا رب النار) رواه البخاري، هل يعني ذلك أن الإحراق ليس من الإسلام؟ هل ذلك من ابتكارات داعش؟
ما تقوم به داعش عملية انتقائية، فتبحث في كتب التراث عن أقوال للسلف وتنتقي منها كما في الحديث السابق: أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث سرية، وقال لهم «إن وجدتم فلانا وفلانا فأحرقوهما بالنار»، ثم قال بعد ذلك «إني أمرتكما بإحراق فلان وفلان، والنار لا يعذب بها إلا رب النار، فإن وجدتموهما فاقتلوهما».
بل إن الأمر لا يقف عند انتقاء الكلام والاستشهاد به بعيداً عن سياقه، بل إنك لو ناقشت أحد الدواعش أو المتعاطفين معهم سيأتي لك بأقوال كثيرة من السابقين عن حكم الحرق، ويوجد بحث مؤصل لأحمد بن ناصر الغامدي على الموقع الالكتروني لجامعة (أُم القرى)، ويشتمل هذا البحث على مسائل: - تحريق الأعداء في الجهاد . 2- تحريق أموالهم . 3- تحريق المرتد . 4- تحريق البغاة وأموالهم . 5- التحريق في حد اللواط . 6- التحريق في القصاص. 7- تحريق الحشرات.
في هذا البحث أدلة المجيزين، وأدلة المحرمين، وهذا يعطي انطباعا للقارئ غير المتخصص (وهم أكثر وقود داعش) أن الأمر محل خلاف، وهو الأمر الذي يسوّقه منظرو داعش دائماً، حيث يربطون كل فعل يصدر عنهم بكتب التراث وقول السابقين، هذا الأمر يستوجب منّا أن نناقش أفكار داعش ولا نتعامل معهم بالإلغاء التام كما يفعلون، نواجه أفكارهم ليس لأجلهم هم، وليس فقط لأن نأمن مكرهم، بل لأجلنا ولأجل أبنائنا الذين يمكن لداعش استقطابهم بالتدليس ولي عنق النصوص.