"ماتت النار من حوله ... وبقي معاذ حيا"

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَالسَّمَاء ذَاتِ الْبُرُوجِ {85/1} وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ {85/2} وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ {85/3} قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ {85/4} النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ {85/5} إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ {85/6} وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ {85/7} وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ {85/8} الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ {85/9} إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ {85/10} صدق الله العظيم
حادثة من حوادث الإيمان مع الكفر، صوَّرتها هذه الآيات الكريمة، مؤكِّدةً ومحذّرة الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا، بأن لهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق.
آيات محكمات بينات، تُدين فعلة الكفار بنفر من المؤمنين نقموا منهم لا لشيء إلا لأنهم آمنوا بالله العزيز الحميد، فكان وعدُ الله ووعيده لهؤلاء الكفرة الفجرة بأن لهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق.
واليوم ونفرٌ يَدَّعُون الإسلام زوراً وبهتاناً، يُلقون معاذاً في النار.. والإسلامُ منهم بريء.. الإسلام الذي حفظ للأسير حقه، وللإنسانِ كرامَتهُ، وصانه حياً وصانه ميتاً.. أسَرَهُ التتار الجدد وألقوهُ في نار أشعلها حقدهم ذلك الذي أنساهم وعيد الله لهم بأن لهم نار جهنم وعذاب الحريق.
لقد قضى البطل الطيار معاذ الكساسبة واقفاً وسط النيران، مرفوع الرأس، ثابت الجنان، فماتت النيرانُ من حولِهِ وبقي حياً. موقِظاً في عيونٍ غافلة حقيقة هؤلاء الطغاة البغاة، والتي ما زال بعض العميان بها مخدوعا.. لقد حرق الفواحش الجناة آخر أوراقهم حين أحرقوا بالنارِ معاذاً.. وسوّلت لهم نفوسهم المريضة وعقولهم الضالة أن يصوروا الدليل على بغيهم بأيديهم ويقدموه للعالم مجَسِّداً ما في نفوسهم من شر وما في صدورهم من غلٍّ وحقد..
وتُظْهِر كم هم خونة يفعلون أي شيء في سبيل سلطة زائفة قوامُها أوهام وأضغاث أحلام..
لقد خانوا حتى أشياعهم من المعتقَلين المجرمين حين تاجروا وناوروا بأرواحهم، والتي هي على قدر خستها تظل أرواحاً، كان يمكن المساومة عليها، حتى تُرد إلى خالقها فيعذبها عذاباً نُكراً، فهي الأخرى.. قتلت نفوساً بريئة بغير نفس أو فسادٍ في الأرض، وروّعت آمنين دون رادع من ضمير أو دين.
ولأني ما عدت أقوى على مشاهدة مقطع الحرق الإجرامي البشع الخسيس، لشدة ما أوجعتني مشاهدُ الدم ومناظر الدمار.. ولكثرة ما حذّرت وسائل الإعلام المرئية من مشاهدة ذلك المقطع الأليم، وهي تعلم كم أن الصورة مؤلمة وموجعة.. لا تحتملها قلوب ملأها خالقها محبةً ورحمةً.. وليست كتلك القلوب التي نُزعت منها كل رحمة أو خوف.. فذبحت وحرقت.. بعدما سلبت وقتلت ونهبت.. وكم هو مؤلم أكثر من كل ذلك، ما يستشهِدون به وهم يقتلون ويحرقون.. من آياتٍ نُزِعت من سياقها، وأحاديث نُسِبت إلى المبعوث رحمةً للعالمين محمد بن عبدالله عليه الصلاة والسلام..
ومن مقولات ردّوها افتراءً إلى علماء مسلمين، فلن أخوض في هذا الأمر كثيراً.. محاولاً الاستفادة من هذه المساحة لأناشد أهل الذكر والفقهاء، أن يسارعوا إلى تصفية الأذهان مما علق بها من مفاهيم مغلوطة، وتنقية الإيمان مما شابهُ من تحريف وتجريف لأهداف شخصيةٍ دنيويةٍ لا تمت للإسلام أو الإنسانية بصلة.
وحتماً فإن من أفسد هؤلاء الخوارج هم نفر ممن يدّعون أنهم شيوخ أو أئمة.. وإلا لما انقادت لهم هذه المجموعات، رجالاً وحريما.. وارتكبوا هذا الفعل اللئيم، وهم يكبِّرون ويهللون ويستشهدون بفكرٍ وتراث قديم.
أين شيوخ الحقيقة من رموز الفسق؟!
وأين رموز الحق من طواغيت الخطيئة؟!
إن الصراع عادة ما يكون بين قوَّتين، حقٌ وباطل.. ولا يمكن للحق أن يُهزم أمام باطل لأن الباطل زهوق.
وليس هناك في الكون صراع بين حقّين أبداً.. لأنه لا يوجد في قضية واحدة حقان يتصارعان.
وصراع الحق مع الباطل مسألة لا تطول، لأن الله ناصرُ الحق.. طالما تكاتف أهل الحق على إحقاق الحق.
إن الصراع الذي يطول أمده ولا ينتهي هو ذلك الصراع بين باطلين، والله ليس بناصرٍ باطلاً على باطل.
ولقد أكّد الفواحش الجبناء بالأمس، ومنذ أن خرجوا، أنهم أصحاب باطل، وأهلُ ضلال.
فأين أصحاب الحق؟! أين هي المؤسسات والمعاهد والمراكز والجامعات الإسلامية والدينية ذات الأعداد الكثيفة والميزانيات الكبيرة؟!
أين القوافل والجحافل لتفنيدِ مزاعم الباطل التي استولت على عقول أولادنا.. بل وعلى عقول أبناء الغرب، فلفَظهُم أهلوهم، وغدا الإسلام داءً تنفر منه مجتمعاتهم.. وتتجنبه، وعداءً تطرده وتحاربه..
إن المعركة مع الإرهاب لم تعد اليوم معركة أموال وذخيرة وطبول للحرب تدق.. إنها معركة فكر وحجةٍ ومعركة أهل الحق.
وهي أيضاً في البداية والنهاية.. معركة كل إنسانٍ ينشد الأمن والسلام، بتعبير شامل وأدق.
إن تاريخنا ما زال يلعن الخوارج والمغول والتتار، لكثرة ما أغرقوا من المعرفة، وحرقوا من الديار. وإنه كذلك ما زال ناصعاً بالكثير من القصص والأخبار التي تؤكد أننا أمّة قد عاشت بفضل الله ثم بفضل هذا الدين القويم السليم.. كما نزل من الله على الأمين.. أزهى العصور وأنصع الدهور، ولا ينكر أحدٌ ما قدمه العلماء والمفكرون في تلك الأزمنة من جدّ واجتهاد وفكر على قدر ما توافر لهم حينها من معارف وعلوم. وهو ما يُلزِمُ علماء اليوم ومفكريه ببذل كل جهدٍ والتزام بقدر ما يتوفر لهم اليوم من موارد علمية وبشرية ومالية.
قد يكون قدرُ الساسة والمنظمات في هذا المصاب الأليم أن يستنكروا الجريمة ويدينوا المجرمين.. لكن العلماء المفكرين لا بد لهم أن يعملوا ويشاركوا بما آتاهم الله من عِلم ومعرفة ودراية وحجج في مواجهة هذا البغي على الدين والافتراء على الحبيب عليه الصلاة والسلام.. وذلك بالعودة للتفسير الجلي الواضح الذي لا يقبل اليوم اللبس لمعاني القرآن الكريم، والتحقيق الأمين لصحيح السنة النبوية المطهرة.
والله لو فهمنا جميعاً وتعاملنا بأحاديث شريفة مثل ((تبسمك في وجه أخيك صدقة))، و((أحب لأخيك ما تحب لنفسك)) لزادت مساحة الحب بين الناس ولَكبُرت مساحةُ الإيثار، وسادت روح التسامح بين الصغار والكبار..
لا بد لكل المعارك الجدلية، فقهيةً ومذهبيةً أن تتوقف وأن تتجه كل الجهود إلى زرع الخير وإقصاء الشر .. قبل أن تزداد مساحته في نفوسٍ وعقولٍ يظُن أصحابها جهلاً أنها للحق وعلى حق.
رحم الله الطيار البطل معاذ الكساسبة وأسكن الطمأنينة قلب أهله وأبيه والذين هم الأردنيون كلهم، بل كل أهل الحق على هذه الأرض.
وأود ختاماً أن أشير إلى أني وجدتُ بين أوراقي خطاباً يعود تاريخه إلى العام 2003 ألقيتهُ في «الاسكوا» بأحد مقرات الأمم المتحدة في بيروت.. بوجود وفد من جامعة أمريكية شهيرة.. جاء ليسلمني شهادة الدكتوراه الفخرية.. بحضور ممثل عن رئيس الجمهورية اللبنانية وبحضور رئيس الوزراء ومجلس النواب.. وسبحان الملهم عز وجل.. فقد أوضحت في ذلك الخطاب موقف الإسلام الحنيف من مثل هذه الحركات المتطرفة - فاحش وأخواتها - وتدور الأيام وبعد اثني عشر عاماً، يحدث ما كنت أخشاه، ولا حول ولا قوة إلا بالله.. وحسبنا الله ونعم الوكيل من فاحش ومن كان وراء وجود فاحش، دون أن أحدد من الذي كان وراءها فكل يعرف نفسه بنفسه.