الصوم جُنّة

الصوم فريضة وقائية للإنسان ليس من عقاب الآخرة فحسب، بل هو الدرع الواقي للنفس البشرية من الركون إلى هواها، ومخلّصها من عللها القلبية ومطهرها من أدرانها وذنوبها العالقة بها، فهو علاجٌ ناجع للعادات والطبائع التي تورد صاحبها موارد التهلكة، وتتجلى فيه من السمات والخصائص ما تحض القائم به على مكارم الأخلاق وتربي في الضمير البشري مُثلا قويمة تردع صاحبها إذا همَّ بتجاوزها ومال نحو اتباع الغي، فالصوم حصنٌ منيع يقوّم في الإنسان ما هو معوج، ينأى باللسان عن النطق بالزور والبهتان والفواحش وسواقط الألفاظ، وكل ما يؤثر على لغة الحوار كي يجعلها تتسم بالعفة والجدية، وبذلك يكون له انعكاس إيجابي على طهارة القلب تلك المضغة التي إن صلحت صلح الجسد كله وإن فسدت فسد الجسد كله.
إن الصوم غايته الكبرى نقاء السريرة، فجاء ليحررها وينطلق بها حتى لا تظل لغيِّها أسيرة، فكان باعثهُ الأصيل لذلك أن يظل القلب دوما في طهارة وسكينة واطمئنان، لينعكس ذلك على سلامة الصدر نازعاً منه الغل والحقد والحسد ويصقله بالمحبة والوئام لتظل الروح دائماً في راحة أبدية.
من هنا كان لفريضة الصوم خصائص جعلت لها من الخصوصية في قلوب جماعة المؤمنين ابتداءً من الشعور الإنساني المتفرِّد إلى التفاعل العملي والتحرك الإيجابي، ليعمل ذلك الانعكاس الحركي في منظومة تكافلية يحفُّها التراحم وتتخللها المودة وتترابط من خلالها أواصر الركب البشري.
إن لفريضة الصوم الجليلة إيجابيات كثيرة تعمل على تنمية الشعور الإنساني بالآخر، وأول هذه الإيجابيات التدريب الواقعي على إيقاظ تلك الضمائر من خلال الشعور الحسي بالجوع والعطش والحرمان الذي يعانيه الآخر على وجه البسيطة هنا وهناك على مدار العام كله وليس بالشهر الفضيل فحسب نتيجةً للفقر المدقع من ضيق ذات اليد، وهذا التوحد الشعوري الذي ألزمت به فريضة الصوم من رضي بالإسلام دينا يخرج بالإنسان من الانكفاء على الذات والطواف حول موائد اللذات إلى استشعار ما يعانيه العالم من حوله فقراً وحرمانا، ليكون ذلك دافعاً له على البذل والعطاء والإنفاق، شعاره في ذلك (من مال الله لله)، فهناك من يئن من الجوع أنين الموجوع في تخوم القارات والأمصار جرّاء نكبات وكوارث كونية، فمن هنا كان للصوم دعوته الإنسانية للشعور بالآخر وكيف يعيش طوال العام في حرمان ونقصان، ليتمخض عن ذلك الشعور الإنساني تكافل اجتماعي يجعل من المؤمنين إخوة متحابين بل ويؤلف بين القلوب ليرى العالم من خلاله روعة الإسلام وإيجابية عباداته التي تدعو إلى الرحمة في أسمى صورها، فلا نفور ولا غل ولا حقد ولا حسد.
إن العبادة التي تسمو بالأرواح وترقق القلوب وتجعل للإنسانية في مُثلها النصيب الظافر والحظ الوافر وتضرب في ذلك المثال المتجرد في العطاء والطاعة والبذل والتضحية، ومكارم الأخلاق التي بعث صلى الله عليه وسلم ليتممها، لهي الأوْلى أن يحذو حذوها كل صاحب قيمٍ وفضيلة.
من سمات الصوم العظيمة وحدة الهدف، ووحدة التوجه، ووحدة الامتثال والخضوع لله، فجماعة المؤمنين العابدين تبدأ صومها في ميقاته المعلوم، ليس هناك فرق ولا تفرقة فالكل فيه سواء، لتتجلى به أروع صور الوحدة والمساواة بين المسلمين في تقديم شعائرهم لله رب العالمين.
إن للعبادات في الإسلام مشاهد واستعدادات قبل الدخول في إقامتها وأدائها. فالصلاة تستوجب لها الطهارة والوضوء ثم الوقوف صفوفا خلف الإمام في مشهد وحدويٍ جليل وكذلك الحج له من الاستعداد والتهيؤ كالنزول في الميقات وارتداء الإحرام وغيره، كلها مشاهد مرئية تراها الأعين وترقبها الجموع ويرى الناس بعضهم بعضاً أثناء إقامة هذه العبادات والشعائر.
أما الصوم فليس له هيئة ولا مشهد معين يرى الناس الصائم من خلاله، فهو عبادة وفريضة تقام في سرية تامة بين العبد وربه، ولذلك خصها الله تبارك وتعالى بقوله في الحديث القدسي «كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به»، مع أن العبادات كلها تقام لله الذي يجزي بها، ولكن خصوصية الصوم أنه لا يدخله رياء ولا مفاخرة ولا خيلاء أمام الخلق، فمن الممكن أن يرائي الإنسان بصلاته وزكاته وحجه والعياذ بالله لكن سرية الصوم في خِفْيةٍ عن الأعين تجعل له هذه الخاصية وتلك الخصوصية «فإنه لي وأنا أجزي به»! فأي جزاء عظيم من لدن رب العالمين الذي أعده لعباده الصائمين.
وإنه لشهر الرحمة والمغفرة وإحياء للضمير البشري وجلاءٌ لران القلوب، وتحريك للمشاعر الإنسانية من كبوتها وإيقاظها من غفوتها، لتأصيل هذه الفريضة العظيمة بجلالها وروعتها ومعناها الإيجابي المنشود.
ويتجلى في الشهر الفضيل نقاء الروح وصفاء النفس بقربها من ربها بصيام نهاره وقيام ليله وتلاوة القرآن وإخراج الصدقات، وبخلاص النفس وصقلها من أدرانها وعللها وشفائها من سقمها الروحي، إن الصوم يُضيّق على الشيطان مسالكه ويسدها عليه، فخليق به أن يصلح ذات البين فتلتئم الفجوة وتزول العقبة فتعلوا به الهمم وتنتعش قوى الخير وتصبح به الروح في أنقى أحوالها وهي تحلّق في جوٍ إيمانيٍ مهيب، تعلو بها الفكرة وتغسل درنها بالعبرة، وتتخلل في وجدانها روائع القدرة.
فالصوم عنانٌ للمسلم يروّض تمرده ويهذب أخلاقه ويقوّم فيه اعوجاجه، آخذاً بيديه إلى جادة الطريق، فهو جُنّة للعبد ومرضاةٌ للرب وحصن حصين من رغبات النفس، وهو داعي العطاء والبذل وهو الصوت الجهور داخل الضمير البشري الذي يعيش معاناة الآخرين من خلال الشعور الإنساني الذي ينبثق من رحم هذه الفريضة العظيمة التي منّ الله بها على عباده.