إصرار على تدمير العراق

فكرة التقسيم والانفصال عن العراق وتشكيل دولة كردية مستقلة، ليست بجديدة على الحركة التحررية الكردية منذ اندلاعها في سبتمبر عام1961، والتي أجبرت حكومة بغداد على عقد اتفاقية سلام معها في 11 مارس عام 1970، وبموجبها حصل الأكراد على حكم ذاتي موسع لمدة أربع سنوات، ولكن سرعان ما نقضت الحكومة العراقية الاتفاقية وأعلنت الحرب عليهم بعد إصرار الكرد على عائدية مدينة «كركوك» إليهم. وربما كانت الحكومات العراقية المتعاقبة تدرك أن الأكراد بمجرد حصولهم على «كركوك «الغنية بالنفط وبسط سيطرتهم عليها، سيعلنون استقلالهم وانفصالهم عن العراق، لذلك عمدت إلى تدويل القضية وجعلها مشكلة دولية وإقليمية «تركية وإيرانية وسورية»، وهي الدول التي يوجد فيها الأكراد، وظلت المدينة المتنازع عليها عالقة لحد سقوط حكومة بغداد البعثية وتشكيل حكومة جديدة على أساس الدستور والمبادئ الديمقراطية، واستبشر الأكراد خيرا بالنظام الجديد ودستوره الجامع المانع الذي عالج معظم حقوق الشعوب العراقية وطوائفها، ومنها حقوق الشعب الكردي من خلال المادة 140 التي تتناول قضية المدينة والأراضي التي انتزعتها الحكومة العراقية من أصحابها الشرعيين بالقوة والقمع عبر عمليات التعريب والتبعيث، ولكن لم تشأ حكومة «حزب الدعوة» أن تحل القضية وفق آلياتها الدستورية لذات السبب الذي كانت حكومة البعث القومية تتخوف منه، وهو إعلان الكرد عن تشكيل دولتهم المستقلة حال حصولهم على مدينة كركوك التي كانت شبه محسومة سكانيا لصالح الأكراد وفق معظم الإحصائيات التي أجريت لها سابقا، لذلك أول خطوة قامت بها حكومة «إبراهيم الجعفري» عام 2005 هي الحؤول دون تطبيق المادة 140 الدستورية، وراح يعقد اتفاقات سرية مع الحكومتين التركية والإيرانية لمنع عودة المدينة إلى إقليم كردستان، وبذل قصارى جهده للوصول إلى هذا الهدف، ولكنه لم يستطع أن يكمل مشواره التآمري ضد السنة من خلال تدشينه لحرب طائفية راح ضحيتها مئات الآلاف، وفي ضرب الأكراد، فأجبروه على الاستقالة، فاستقال ولكن ترك من بعده تلميذه النجيب في الطائفية والتآمر على شركائه السياسيين ونقض العهود والمواثيق معهم، وهو مساعده في الحزب «نوري المالكي»، والذي واصل مشوار زعيمه «الروحي» وأكمل ما بدأه..ولكن التلميذ فاق أستاذه بمراحل، فعمل على المسارين وتفوق فيهما بجدارة، خاض صراعا مريرا مع السنة وعمل كل ما في وسعه لإبعادهم عن الحكم، ونجح في ذلك إلى حد بعيد، وكذلك خاض صراعا طويلا مع الأكراد بهدف تدجينهم وإخضاعهم إلى سلطته وإعادة إقليمهم المستقل منذ 1991 إلى السلطة المركزية التي يهيمن عليها ويديرها بقبضة من حديد، دون أن ينسى ولو للحظة أن يعرقل تطبيق المادة 140 الدستورية وينسف كل جهد يحاول النهوض بها، وبذلك وضع البلاد على فوهة بركان طائفي وعرقي ما زالت شرارته تتفجر بوجه العراقيين، وما زالت نتائج سياساته الطائفية الخاطئة تتفاعل وتتوسع، وقد تؤدي إلى التفتيت ومحو العراق كتاريخ وجغرافيا من على خارطة المنطقة ويصبح أثرا بعد عين، وقد لاحت بوادر ذلك، وظهرت مقدماته، ففي غياهب المجهول ودون سابق إنذار ظهرت جماعة أو تنظيم أو ثوار أيا كانت تسميتهم فأغاروا على منطقة الوسط السنية «الموصل والأنبار وديالى وصلاح الدين»، وبسطوا سيطرتهم عليها وأقاموا فيها دولتهم الإسلامية، والعالم يتفرج بذهول ومعه رئيس الوزراء العراقي الذي يتحمل الوزر الأكبر فيما آلت إليه أمور البلاد وسقوط قلاع العراق واحدة تلو الأخرى وهو عاجز تماما عن فعل شيء، غير العويل والصراخ والتهديد، ومن جهة الشمال سقطت مدينة «كركوك» أو قدس الأكراد كما يسمونها، تحت سنابك قوات «البيشمركة» الكردية، وأعلن على رؤوس الأشهاد أن المدينة قد فتحت وأعيدت إلى حضن أمها كردستان، ولم يبق غير إعلانها كعاصمة للدولة الكردية القادمة، وبلهجة الواثق المنتصر صرح زعيمهم «مسعود بارزاني»أمام البرلمان الكردي أنه قد آن الأوان لإجراء استفتاء حول المادة 140 في الأراضي المتنازع عليها وتطبيع الأوضاع فيها تمهيدا لإجراء استفتاء آخر حول حق تقرير المصير! وإعلان الدولة المستقلة، وصرح أن العراق انتهى كدولة واحدة موحدة و».. هذا هو الواقع الذي لا يريد أن يراه الكثيرون»..
في ظل الحالة العراقية المتفاقمة التي تنذر بمستقبل خطير للعراق والمنطقة، ناشدت الكتل السياسية المختلفة والمراجع الدينية العليا ودول المنطقة، رئيس الوزراء المنتهية ولايته «المالكي» بعدم ترشيح نفسه لولاية ثالثة، والخروج من العملية السياسية حفاظا على وحدة البلاد، باعتباره السبب الأساسي للأزمة القائمة في البلاد، ولكنه أصر على مواصلة الحكم والمضي إلى آخر المشوار في موقف عجيب يذكرنا بالموقف الأحمق الذي اتخذه «صدام حسين «حيال التهديدات الغربية والدولية بضرورة الخروج من الكويت والانصياع للقرارات الأممية، ولكنه أصر على تعنته وسياسته الخاطئة إلى أن دمر العراق..