مزامير الشر في العالم العربي

دمشق وبغداد اسمان كبيران يبعثان في النفس وهج التاريخ وينضحان كبرياء وعزة لاسيما وقد كانتا مهد الحضارات ومنارة العلم.
أما اليوم فإن الظلام الشامل قد حل بالمدينتين التاريخيتين ولا يبدو أن هذه العتمة قد وقفت على أعتاب دمشق وبغداد فقط ولكنها امتدت لكل العالم العربي تقريبا وجعلته يعيش في ظلام دامس. وفي جنح هذا الظلام اختفت كل المعاني السامية التي كنا نعتز بها كعرب ومسلمين، فالرحمة انداحت من الطريق ليحل محلها الاضطهاد والقسوة وفيضانات الدم. وأصبحنا نرى على شاشات التلفاز عصابات الشباب يقودها رجال متجهمون كثيفو اللحى قصار الثياب إلى حيث لا نعلم ولا يعلمون، لكن ليس بالقطع لأداء الصلاة أو القيام بعمل تطوعي في سبيل الله. وهؤلاء الشباب المغمورون يأتون بما لم يأت به الأوائل من قسوة وسفك دماء وتفجيرات واستباحات للحرمات. إنهم يقتلون بلا شفقة أو رحمة ولمَ لا؟ فقد أصبحت حياة الإنسان عندهم رخيصة جداً لا تساوي جناح بعوضة. إن من الصعب تفسير وضعنا الحالي وشرح الأسباب التي أدت إليه. ويعتقد بعض الناس أن ما يحدث الآن هو من تداعيات ما يعرف بثورات «الربيع العربي»، بينما يرى الآخرون أنه من صنع خريف الأنظمة الاستبدادية التي لم تكن تريد الابتعاد عن الحكم وأرادت أن تتمسك بالكرسي بكل الوسائل، سواء كانت مباشرة أو بالوكالة. إن هذه الأنظمة قد ظلت ممسكة بتلابيب السلطة لا ترغب في الابتعاد عنها أو التفريط فيها رغماً عن إرادة الشعب ورغباته. إن هذه الأنظمة المستبدة قد جاءت إلى سدة الحكم على ظهور الدبابات في الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي وأنشأت ديكتاتوريات عسكرية تحكمت في رقاب الناس ومصائرهم. وفي سبيل الحفاظ على السلطة، أهملت هذه الأنظمة التنمية الاقتصادية، وقاومت بناء مؤسسات الدولة ورفضت أن تنشئ المجتمعات المدنية. وأنفقت هذه الأنظمة مقدرات البلاد ومداخيلها على اقتناء الأسلحة وبناء الجيوش التي لم تحارب عدواً خارجياً واحداً إنما وجهت نيران أسلحتها إلى صدور أبناء وطنها. وأنفقت الأنظمة المستبدة الأموال الطائلة على الخدمات الاستخباراتية وعلى تقوية أجهزة الأمن التي استطاعت قمع شعوبها والزج بالآلاف منهم في السجون حتى لا يفتحوا أفواههم أو يجدوا القدرة على الاعتراض. وكانت نتيجة الأعمال القمعية لهذه الأنظمة الاستبدادية أن مات الآلاف من أبناء شعبها أو عذبوا أو ألقوا في غياهب السجون إلي ما شاء الله. وبينما تغير العالم وانهارت الأنظمة الدكتاتورية وتفككت مثل الاتحاد السوفيتي أو أنها أبدت كثيراً من المرونة والتفهم مثل الصين، نجد أن الأنظمة الديكتاتورية العربية شامخة وقوية ولم تنهر أو تتفكك أو تركب موجة التغير. وقد ملت الشعوب العربية وضاقت من قيودها وأصبحت تتطلع نحو الحرية والانعتاق، وخاصة أن الأنظمة التقنية الحديثة قد مكنتهم من التعبير الصارخ الواضح عن تطلعاتهم وآمالهم وأحلامهم. ولم تكن هذه الشعوب المغلوبة على أمرها تريد الثورة أو تحطيم القيود إنما كانت تحلم فقط بالحياة الكريمة والمستقبل الزاهر لأطفالها. ولم تكن هذه الشعوب ترغب في المواجهات المسلحة مع قياداتها التاريخية رغم فسادها، لكنها قد أجبرت على الاقتتال وأصبحت المنطقة العربية بفضل الزعماء الذين لا يرون أبعد من أقدامهم تعيش في توتر دائم واضطرابات مستمرة. وإذا كان الحكام العرب قد جعلوا من شعوبهم شركاء حقيقيين في السلطة لم نكن اليوم لنشهد منظمات إرهابية دموية مثل داعش وجبهة النصرة وغيرها. ولم نكن بالقطع لنشاهد من ينصب نفسه خليفة للمسلمين ويطلب البيعة من كل الرعايا. وهؤلاء الزعماء يذكرونني بأسطورة عازف الناي الحزين في قرية هاميلين الذي قاد أطفال القرية إلى مصير مجهول. فقد اتفق العازف على أن يخلص القرية من الفئران فوافقوا وبدأ يعزف مزماره فخرجت الفئران من جحورها وتبعته إلى أن غرقت في الماء وعندما عاد إلى القرية وطالبهم بحقوقه أنكروها عليه فما كان منه إلاَ أن عزف للأطفال فخرجوا معه وتبعوه للمجهول. إن هذه الجماعات الإرهابية المتطرفة لا تمثل العالم العربي المعتدل ولا تطلعات شعوبه المشروعة وهي لا تتمتع بالتأييد من أغلبية الشعوب العربية التي تطمح فقط في التقدم والرخاء والنماء الاقتصادي. إن هذه الجماعات هي في الواقع أسوأ من الأنظمة الديكتاتورية التي تحاربها وهي نماذج للشر والدمار، ولهذا لا يجب أن تسمح لها بسرقة أحلامنا وآمالنا وتطلعاتنا المشروعة. إن الوقت قد حان لكي تجتمع الأصوات العاقلة في الشرق الأوسط لإيجاد الحلول الكفيلة بوقف هؤلاء المرتزقة عند حدهم وإلا فإنهم سيوردوننا موارد الهلاك ويقودوننا إلى عصور الظلام. إن الأصوات العربية العاقلة يجب أن تتحرك قبل فوات الأوان.