قارئ لم تلوثه الكتابة
الثلاثاء، ٨ يوليو ٢٠١٤
لقد أفسدت الكتابة القراءة!
هذا ما انتهيت إليه، وأنا أتأمل ماذا يعني أن تقرأ لتكتب، لا أن تقرأ لتذوب فيما تقرأ، وتجد فيما تقرأ لذة ومتاعا، ولطالما رددت: من يعيدني إلى زمن البراءة، ذلك الذي كنت أتخبط فيه يمنة ويسرة، لا يحدني عما أقرأ حاجز، إلا القدرة، وإلا الفهم، لكنني كنت أقرأ لأنني مشغوف بالكتاب، أتحسس أطرافه، ويبهرني عنوانه، وأزيد هياما به، فأتنفس رائحة أوراقه.
من يعيدني إلى مكتبتي الصغيرة؟ من يعيدني إلى ذلك العقل الذي لم يدَّعِ فلسفة ولا منطقا، ولم يعرف التعصب ولا الهوى، حين اجتمعت كتبي البريئة في زاوية من البيت، قبل أن أعرف الخزانة الخشبية، أستقبلها أول النهار بالفرح والرعاية، وأتيه بها يومي كله، حتى إذا أويت إلى فراشي، ألقيت إليها ببصري، وأستحث الليل ليمضي، كي أجدد العهد بها.
من يعيدني إلى تلك الشوارع المتربة التي كنت أخطوها، وأنا أردد ما استظهرته من أشعار، وحين أثوب إلى البيت أردد مع أبي منصور الثعالبي كلاما لا يزال يستكن في ذاكرتي، عن فرق ما بين «الخوان» و»المائدة»، وأن «كل ما علاك فهو سماء»، وأفزع إلى صحيفة «عكاظ»، ولم يكن ليعنيني منها إلا شعر حلمنتيشي لشاعري الحبيب أحمد قنديل، أقرؤه فأضحك، وأستظهره، وأحاول أن أحاكيه.
القراء الحقيقيون هم أولئك الذين يغشون المكتبات، ولا هم لهم إلا أن يتخيروا كتابا بعينه أو كتبا بعينها، لأنهم رغبوا في قراءتها، وهم يذكرونك بمن يغشى دور السينما، لا لشيء إلا أن يستمتعوا بما يشاهدونه. هكذا كنت، قبل أن أصاب بلوثة الكتابة، وقبل أن يمسني قلق المعرفة: أغشى المكتبات، راجلا، وإن بعدت، دفعت شيئا مما ادخرته لخط البلدة، ذهابا وإيابا، ثم أعرف غايتي، أن أصل إلى مكتبة، وأن أفوز بكتاب، إن أسعفني ما ادخرته من مال، وهو قليل عزيز، ولطالما ألمت وأسفت، حين أحلم بكتاب باهظ، ولكن أنى لي ذلك، وأنا لا أملك ثمنا له، وأغادر المكتبة حزينا أسيفا.
ليتني أعود إلى تلك السنوات، وأظل قارئا، لم تلوثه الكتابة!