الانتماء العاطفي والفكري لداعش، أين وصل المؤشر؟

قبل ثلاثة عقود ونصف تقريبا كان المجتمع الخليجي يتعايش بسلام على قاعدة من التآخي والود منصرفا عن المذهبية وفتنتها والجهوية والطائفية وعورتها، وقد لا أجانب الصواب إذا قلت إنه وقتها كانت الحكومات الخليجية تعمل على مسافة قريبة من النهضة والتقدم برغبة صادقة كما هو حالها الآن وهذا للإنصاف، اللافت رغم الاختلاف بين مستوى الوعي العام آنذاك والآن أن ثمة تقديرا شعبيا للمنجزات الوطنية في السابق تترجمها بصدق احتفاليات الفرح الاجتماعي التلقائي المكشوف على الوجوه التي لا يليق بها وصف أقل من الوجوه الخيرة الطيبة المثقلة بمخافة الله والسعي إلى مرضاته دون التفات إلى صغائر الأمور.
في العموم الخليج العربي جزء من الخارطة الدولية ولم تكن دوله ولا شعوبه ببعيدة عن سوء تقلبات أوجه أحلام الخلافة الإسلامية المزعومة ومفاجأتها على فراش التمنيات العريضة المغلفة بالضغينة والبغضاء ذات الطابع الموغل في التصفيات البشرية نحو الاستبداد وقلب المعادلة الإنسانية ليفعل الإسلام السياسي بحركاته وتياراته تحت أوامر وإشراف رموزه فعلته في قلب قواعد الاطمئنان المجتمعي بما فيه من سكينة عامة وتلاحم وتكاتف ترعاه الفطرة الإنسانية القويمة، ليكون الشقاق والدم عنوانا عريضا للحياة منذ عام 1979 حينما حُورت الأحلام إلى واقع يتنقل بين مسرح الجرائم البشعة بحق الإنسانية بدءا بالثورة الخمينية مرورا بأحداث الحرم وفي الطريق أفغانستان وأحداثها باتجاه بدايات عام 2000 حيث انضوت الأعمال الإرهابية تحت لواء القاعدة حتى وصل الأمر حديثا إلى ظهور الحلم الداعشي الإرهابي إلى الوجود منطلقا برجليه وعتاده على الأرض تحت راية ما يسمونه بالدولة الإسلامية في العراق والشام. من العموميات أن لكل حلم محركات وأظنها تسير مختلفة في الأساليب والتكتيكات متفقة في الغاية النهائية على المشروع الكبير (الخلافة) وبحسب الظواهر فإن لكل مسرح جريمة منذ البدء في الطريق إلى الغاية المنشودة خصائصه وموجوداته المختفية خلف السادية والدموية التي لا تعير الإنسان أدنى مراعاة بقدر ما تخصصه حطبا لكل عملية إجرامية دون حسافة أو حسرة، حتى المقدسات ظهرت بغير قيمة أو اعتبار لدى قوم همهم السعي إلى الخلافة على جثث المسلمين وغيرهم ولضبط بوصلة المقال يكون لتتبع الأحداث تاريخيا والوقوف على الفواصل الزمنية البارزة وقت آخر.
المهم أن المواطن الخليجي تحت وهج الخطاب الديني المرافق للأحداث المولودة من رحم حلم الخلافة بما فيه من خرافات وتحريض وتقزيم للحياة اختطف عاطفيا من الخارج إذا جاز التحليل واختطف فكريا من الداخل عن طريق الأنصار المندسين واستمرت تهيئته لما هو أبعد بأساليب استعطافية فطنة لتكوينه النفسي وما يحيط به من ظروف خاصة وهذا من الظن حتى اجتمع ما يمكن وصفه بالانتماء العاطفي والفكري للعديد من الحركات الإسلامية السياسية على اليد المحلية الخليجية البائرة وبات من الصعب إلى حد ما كسر الحاجز والتكتم على حقيقة الوضع القائم المؤسف في ظل وجود أعداد هائلة من الشباب الخليجي وبالذات السعودي في مناطق الصراعات الملتهبة.
في الختام يذهب البعض في تحليل ووصف تحركات الشباب ونفيرهم إلى التبرير تحت مصطلح «التغرير»، رأيي أن هذا المصطلح لم يعد مجديا لأي تبرير وغير صالح لتغليف ما حدث وما يمكن أن يحدث من الأعمال الإجرامية ذات التأثير البالغ على الوطن ومقوماته بالأعذار الواهية، التغرير شيء والجاهزية والاستعداد للخروج على ولي الأمر والمشاركة الفعلية في مناطق الصراعات في الخارج وتوجيه البندقية للداخل شيء آخر، كل الأعمال الإرهابية التي تدحرجت داخليا تمت بقيادة أبناء الوطن لتدمير الوطن وقتل أهله وكلها منظمة وتؤكد أن الدين الذي يخفون سوء أعمالهم خلفه مجرد عباءة لتدمير أوطانهم ونشر الفوضى وبث الرعب بين الآمنين لا أقل ولا أكثر. ختاما فإن أمل الأولوية في منع التجهيز أظنه ما زال حيا.