ذكريات طبية.. فرانش أندرسون والطفلة أشانتي

في عام 1968 رفضت المجلة الطبية الرصينة « نيو إنجلاند جورنال» أن تنشر مقالا للطبيب الشاب فرانش أندرسون، الطالب في كلية الطب بجامعة هارفارد بالولايات المتحدة، والذي ذكر في مقاله أن هناك أملا في علاج الأمراض الخلقية عن طريق الهندسة الوراثية، أو ما يسمى بالعلاج بالجينات، وذكرت المجلة أن ما ذكره الطبيب الشاب لا يعدو كونه نظرية خيالية لا تستند إلى أي حقائق علمية، ورغم عدم نشر البحث إلا أنه حاز على الدرجة النهائية من أستاذه الذي كان منبهرا بهذه النظرية التي ما زالت خيالية، ومرت الأيام والسنون ليحبس العالم أنفاسه في عام 1990 عندما أصبح الطالب الصغير فرانش أندرسون هو العالم الكبير رائد العلاج بالجينات ويجري أول علاج ناجح للطفلة أشانتي سيلفيا، التي ولدت في سبتمبر من عام 1986 وكانت تعاني من مرض يخص المناعة المسمى بمرض انهيار المناعة المركب
subacut combined immunodeficiency SCID
وهو مرض يشبه مرض الإيدز، لكنه بسبب عيب في أحد الجينات التي تصنع إنزيما يسمي Adenosine Deaminase يصبح الجسم بدون جهاز مناعي يدافع عنه، وأصيبت الطفلة بعد ولادتها مباشرة بتلوث في السرة وعدوى شديدة، وفي ذلك الوقت كان عدد كل المصابين بهذا المرض على مستوى العالم، والذين تم تشخيصهم لا يتجاوز ثلاثين شخصا، وحدد د. فرانش أندرسون مع فريقه العلمي الجين المسؤول عن المرض وتم فصله، ثم استخدم نوعا معينا من الفيروسات لإدخال الجين السليم في الخلايا الجذعية التي يصنع منها الجهاز المناعي وخلايا الدم، وبالتالي تتحول كل خلايا الجهاز المناعي والتي تصنع من جديد لتخليق ذلك الإنزيم الناقص، وفي يوم 14 سبتمبر 1990 بدأت عملية العلاج الجيني للطفلة أشانتي في المعهد القومي للصحة بميرلاند بالولايات المتحدة لينجح العلاج وتشفى أشانتي من المرض القاتل، ولم يتوقف الأمر عند أشانتي أو عند مرض نقص المناعة المركب، بل تعداه إلى عشرات الأمراض الوراثية ومئات الأطفال والكبار، والجدير بالذكر أن المجلة الطبية العريقة نيوإنجلاند جورنال التي رفضت المقال في عام 1968 هي أول مجلة بادرت بالكتابة عن العلاج الجديد، ليذكر الطب في صفحاته الخالدة أن الحقيقة ما هي إلا نتاج خيال مؤسس على قاعدة علمية يصنعه رجال يملكون لإرادتهم ومثابرتهم وعلمهم ما يحوله إلى واقع ملموس يخفف آلام البشر ويعيد رسم البسمة على وجوه فقدت الأمل يوما ما.