رمضان والتحدي الأخلاقي

قد جعل الله تعالى لكل عبادة أسرارا مقصودة منها وحكما تحصل بوجودها وهي ما يسميه العلماء مقاصد الشريعة، ومن أكثر العبادات التي ظهرت للعيان حكمها الباهرة عبادة الصوم، ففيها كثير من المقاصد الجليلة في الجانب العبادي والأخلاقي والجسماني والنفسي والاجتماعي/ وما زال النظر يتجدد في تلمس هذه الحكم والمقاصد، ومن تأمل أحكام الصوم وآدابه علم أن لها صلة وثيقة جدا بتجديد وضبط وزيادة المستوى الأخلاقي للصائم، وهو ما يغفل عنه بعض الناس حتى يصل الحال به إلى أن يضاد هذا المقصد فتسوء أخلاقه ويفسد مزاجه وتتبدل أحواله من الانبساط والبهجة إلى ضد ذلك. ومن الإشارات الواضحة لأثر الصوم على الأخلاق يقول صلى الله عليه وسلم: من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه. وهذا في شأن الزور الذي هو أس الشر والحرام، وهو محرم أصلا في كل حال، ولكن أولى الناس بالابتعاد عن الزور ذلك الذي استجاب لأمر الله تعالى بالصوم، فترك المباح القريب إلى نفسه، المطلوب له بحسب الطبيعة، فلأن يكون أبعد عن الحرام المنافي للحالة السوية للإنسان من باب أولى. ومن الآداب الأخلاقية التي يعززها رمضان، معنى الإحسان للآخرين، سواء في زكاة الفطر التي هي مشاركة حقيقية بين الناس، فقيرهم وغنيهم، في الفرحة والسرور في العيد، وهو ما يتأسس في نفس الصائم ابتداء حين يمسه الجوع والعطش الذي ربما قاساه غيره في كل أوقاته، فيحصل له من الإحساس بالآخرين ما لا يحصل له في غير حالة الصوم. وما أجمل هذه القيمة الأخلاقية وما أعظم أثرها في وحدة المجتمع وتماسكه وتراحمه.
ومن الصور الأخلاقية التي يعززها الصوم في نفس الصائم، الحلم والصبر وتحمل أذى الآخرين، وتجد ذلك صريحا في قوله، صلى الله عليه وسلم: .. فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني صائم.
ومعلوم، نفسيا واجتماعيا، أن الغضب هو السبب الأول لوقوع حالات القتل والجرائم عموما، وأول سبب للطلاق والخلافات الزوجية، وغيرها من الشرور، ولأن حالة الصوم قد تقترب بالإنسان من التوتر بسبب الجوع والعطش، فالإسلام يربيه وهو في هذه الحالة على التحكم في غضبه عند استفزاز الآخرين له، ومن كان هذا حاله سيكون أقدر بلا شك في التحكم في مشاعره الغضبية في الأحوال العادية الطبيعية.. وإجمالا فالصيام مدرسة أخلاقية رفيعة لو أدرك الصائم ذلك وسعى إليه.