الأداء الحكومي بين (الحظوة) و(الواسطة): مهما كان الترقيع!

هيئة الرقابة والتحقيق معنية برصد وغياب موظفي الحكومة، وهي رصدت فعلا أكثر من أربعة وأربعين ألف مخالفة إدارية خلال الربع الأول من العام الهجري الحالي، ما بين غياب وتأخر عن العمل، وواضح أن مثل هذه المخالفات تؤثر على الإنتاج، فقد رصدت هيئة حقوق الإنسان شكاوى أعداد من المستفيدين من الخدمات الحكومية، خاصة الأجهزة الخدمية، من اللامبالاة وإساءة المعاملة، وطول الإجراءات وتعقيدها حيث لدى البعض معاملات مضى عليها سنوات ولم يبت فيها، وكل هذا وغيره أوجد شعوراً لدى أغلبية المستفيدين بأن معاملاتهم لا يمكن إنجازها دون (واسطة).
هذا حال المستفيدين، أما الموظفون فليست مخالفاتهم الإدارية (الغياب والتأخير) هي سبب رداءة الإنتاج، بل هناك أسباب أهم رصدتها هيئة حقوق الإنسان، ونشرتها صحيفة «مكة» يوم الأحد غرة رمضان، وأهم تلك الأسباب انعدام تحقيق العدالة بين الموظفين، وتحت عنوان انعدام العدالة هذا، حدث ولا حرج، فالترقيات والانتدابات، والدورات، وغيرها من المميزات لذوي الحظوة عند المديرين الذين لم ينالوا مناصبهم إلا لحظوتهم عند رؤسائهم، وهكذا فالحظوة حلت مكان الكفاءة، فتردى مستوى الأداء، وأصبحت غالبية الموظفين ممن لا (حظوة) لهم يشتكون، وأصبحت غالبية المستفيدين ممن لا (واسطة) لهم يشتكون، فمن هو المسؤول عن هذه الحال، التي ترصدها هيئتان (الرقابة والتحقيق، وحقوق الإنسان) وربما انضمت هيئة مكافحة الفساد، لتكبر المعركة مع طواحين الهواء!
إن المسؤول الأول عن هذه الحال - في نظري - هو نظام الخدمة المدنية، فهو نظام يعتد بالخدمة ويهمل الخبرة، ويساوي بين النشيط والكسول، وبين المبدع والمتكلس، ولا أهمية لديه للإنتاج ولا مقاييس فيه للمستوى، ودعك من الفذلكات النظرية في النظام، فهي كثيرة وبعضها مثالي، لكن الميدان التطبيقي لا يعترف بها، فهذا الميدان فيه من الاستثناءات أكثر من القواعد، وفيه من الجمود والروتين ما يطرد أي طموح أو مجتهد من منظومته الساكنة الخامدة التي لا تمجد سوى أمرين: الراتب آخر الشهر، و(العجلة من الشيطان)، ولهذا فإن إنتاجية الموظف السعودي كما تقول الدراسات لا تتجاوز ساعة من ثماني ساعات يوميا يقضيها الموظف بين الشكوى من وضعه وبين تصريف المراجعين.
ما لم يتغير نظام الخدمة المدنية فسيستمر تردي مستوى الإنتاج الوظيفي في الحكومة، مهما كانت محاولات الترقيع.