أسرع من "البوينج"!

ها نحن نُكمل العشرة الأول من أيّام وليالي رمضان.. وكانوا يقولون في الثلث الأول منه إذا عشّر بشّر، أي إذا مضت أيامه العشرة فقد بشّر بالرحيل..
وهكذا كان دائمًا «رمضان»، يأتي بعد شوق ويرحل سريعًا.. تمر أيامه ولياليه كلمح البصر.. هو الضيف الخفيف الظريف.. كُنّا نبتهج بلياليه ونصوم نهاره حتى قبل «التكليف»، بل ونعيب على أقراننا المفطرين إفطارهم فيه.. نغنّي على رأس الواحد منهم حتى يكره اليوم الذي أفطر فيه.. يزُفّه الأولاد زفة فيها «بهدلة وشندلة» تصبح معها فضيحته بجلاجل!
ويظل هذا الحدث ملازمًا له لأيام إلى أن يخفف عنه الحمل اكتشاف مفطر آخر، ضبط بالجرم المشهود، وهو يختلس غرفة من «حنفية» أو «زير» ماء السبيل.. ومن أجل هذا التصق «الزير» بتهمة «المفطرين»، فذهب مثلًا قولهم عن كل مفطر «صايم من ورا الزير»!
وبعد التاسع يأتي العاشر من رمضان ثم تبدأ «الطّعْشرة» بعد الحادي عشر ـ بلغة أهل الحجاز ـ من «الإطنعشر» إلى «التسعطعشر».. وهي طعشرة تؤذن بـ»الشعترة والبعثرة» التي تدل على التبدد والنفاد.. وتأملوا صورة الكلمة وعلا قتها بـ»الطعشرة» التي تنقضي معها أيام وليالي الشهر بسرعة يحس الكبار والصغار معها أن الشهر قد «طار بسرعة الصّاروخ أو ـ على الأقل ـ (أسرع من البوينج) على رأي صاحب «القرفة الخفيفة» على القلوب، حبيبنا الراحل الأستاذ طاهر زمخشري، أبل الله تربته بوابل رحمته التي وسعت كل شيء.. وقد كانت «البوينج» أسرع طائرات السفر، على أيام «بابا طاهر» قبل أن تأتي «الكونكورد».. وقد خلدها بهذا الكلام الجميل المُغنّى:
«من شوقي لك يا زين.. بأطير من الفرحة
أسرع من البوينج، يا لابس الطّرحة»!